الاثنين 26 رجب 1438 - 24 أبريل 2017 , آخر تحديث : 2017-04-24 08:20:36 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2017-02-12 الساعة 09:18:45
مهنتي- فقهها وآدابها : 1- (لماذا هذه السلسلة؟)
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

قال تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ   وَسَتُرَدُّونَ

إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ*} [التوبة: 105].

وقال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا

لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94].

أخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: : «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». [البخاري].

وأخرج البخاري ومسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِد الله به خيراً يفقِّهه في الدِّين».

أيها الإخوة:

هذه هي الخطبة الأولى في سلسلة جديدة من الخطب عنوانها ( مهنتي- فقهها وآدابها)

 وعنوان خطبة اليوم : لماذا هذه السلسلة؟

وأبدأ بالتعريف بمفردات العنوان لانتقل للحديث عن السبب الذي يدعونا للحديث عن المهن في خطب الجمعة.

أما المهنة: فهي -بفتح الميم وكسرها- الحِذْقُ بالخدمة والعمل ، والمهنة في

اللغة مرادفة للحرفة وهي كل ما اشتغل به الإنسان واشتهر به على سبيل

الحذق والمهارة، أما من يمارس عملاً ما من المهن أو الحرف وليس على

سبيل التخصص والمهارة فلا يقال له مهني ولا حرفي.

وسميت الحرفة بذلك لانحراف الشخص إليها لأجل الكسب.

فالطبيب والمهندس والمحاسب والحلاق والنجار والسباك كلهم أصحاب مهن وحرف.

وأما الفقه: فهو الفهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «من يرد الله به خيرا

يفقهه في الدين» وهو في الاصطلاح العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.

وأما الأدب فهو أعمال وأقوال شرعتها شرائع السماء أو تعارفها النجباء؛ يتكلّفها المرء ليتزيّن بها بين الناس.

والمراد بالفقه والأدب هنا المتعلقان بمهنة محددة.

إذ ستكون خطة هذه السلسلة أن تبدأ بمقدمات عامة، ثم تعرض لمهنة مهنة

من المهن الأكثر انتشاراً في الشام، وتجعل لكل مهنة ثلاث خطب تتحدث بعد

المقدمة عن أهم الأحكام الفقهية فيها، ثم عن أهم آدابها. وربما اقتصرت في

مهنة على خطبتين لكفايتهما، فتتحدث السلسلة عن مهنة التعليم مثلاً ثم عن

مهنة الطب ثم عن مهنة التجارة وعن مهنة الحلاقة وعن مهن البناء وغيرها.

 وتأتي هذه السلسلة (مهنتي – فقهها وآدابها) لأسباب كثيرة منها:

أولاً: ليرضى الله تعالى. والحق أيها الإخوة أنه من لم تكن خطواته في حياته

نحو رضا الله فيا ضيعة عمره، ونحن لا نعلم طريقا لرضاه سبحانه وتعالى إلا

بموافقة شرعه فما فرض فرضناه وما كره كرهناه وما أباح أبحناه وماحرم حرمناه وما استحب استحببناه.

وإن الحديث عن المهنة -فقهها وآدابها- فيه تعريف لكل منا بفرائض الله في مهنته ليتعلمها ويعمل بها.

ثانياً: لأن المسلم لا يستطيع أن يفصل الدين عن الحياة، عن زواجه وطلاقه وعن بيعه وشرائه وعن أخذه وعطائه..

فهو يعلم أن  ذكر العمل واشتقاقاته في القرآن الكريم ورد أكثر من ثلاثمائة

مرة! العمل بمعناه العام سواء كان للدنيا والآخرة.

ويقرأ في القرآن الكريم حديثاً عن صناعة الرماح، والبيوت، والفُلك، والصيد

البحري والبري، والمحاريب، والدروع، وعرائش النخل والأعناب، وبناء المدن، والسدود المائية والتحصينية، والأثاث وغيرها...

ويقرأ آيات تتحدث عن الخياطة، والحدادة، والبناء، والنجارة، والغزل، والفلاحة، والصباغة،

ويلمح في القرآن إشارات عن الوراقة، والوزانة، وصناعات البحار، والفضاء، والصناعات الفنية المشروعة والممنوعة.

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ  *  وَذَلَّلْنَاهَا

لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ  *  وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس:71-73]. {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود:37].

{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80]. {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آَمِنِينَ} [الحجّر:82].

ويجد المسلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث الكثيرة عن المهن والحرف والصناعات والأعمال  فقد أخرج الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التَّاجر الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبيينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ».

ومثله حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا اقتضى».

وأخرج ابن عساكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل العبد طعاماً أحبّ إلى الله من كدِّ يَدِه، ومَن بات كالَّاً من عمله بات مغفوراً له».

وأخرج أبو داود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله يقول: أنا ثالث الشَّريكين ما لم يخُن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجتُ من بينهما».

وعشرات الأحاديث ومئاتها تحدثك عن العمل .

 ويحدِّث ابن عباس رضي الله عنهما – فيما يرويه الحاكم- أنَّه قال لرجل:

 أدن مني... فأحدثك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله، أحدثك عن آدم،

 أنه كان عبداً حراثاً، وأحدثك عن نوح، أنه كان عبداً نجاراً، وأحدثك عن

 إدريس، أنه كان عبداً خياطاً، وأحدثك عن داود، أنه كان عبداً زراداً، وأحدثك

عن موسى أنه كان عبداً راعياً، وأحدثك عن إبراهيم، أنه كان عبدا زراعاً،

وأحدثك عن صالح، أنه كان عبداً تاجراً، .... وأحدثك عن النَّبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، أنه كان يرعى غنم أهل بيته بأجياد.

وتخبرنا كتب التراجم والسير أن أبا بكر كان بزازاً -يعني تاجر قماش-،

وأن سعد بن أبي وقاص كان يبري النبل، وكان عمرو بن العاص جزاراً، وكان أبو سفيان تاجر زيت وجلود، وكان عثمان بن عفان تاجراً، وكان علي بن أبي طالب عاملاً... رضي الله عنهم أجمعين.

وكان أبو حنيفة -صاحب المذهب- تاجر خز، وعمل مالك بن دينار في الوراقة ، وعمل أيوب السختياني في بيع الجلود، وعمل محمَّد بن سيرين بزازاً -تاجر قماش-...

فمن أجل كل هذا يحب المسلم عمله ويجتهد فيه ويعلم أنه لا يمكن أن يفصل دينه عن حياته، ومن أجل هذا كان حرياً بمنبر الجمعة أن يتحدث عن فقه المهن وآدابها.

  ثالثاً: لأن المسلم يعلم أن للشريعة حكماً في كل تصرفاته ومنها عمله ومهنته، فهو يحب أن يتعلم فقه المهن وآدابها ليعمل بذلك.

فقد أجمَعَ العلماء أنَّ ما من فعل يصدرُ عن الإنسان إلا ولله تعالى فيه حُكْم، هل هو فرض أو سنَّة أو مباح أو مكروه، أو حرام، أو غير ذلك.

وأجمعوا أن على كل مسلم أن يعرف حُكْم الله ليمارسه، فإن كان العمل مسنوناً

أو مباحاً أمضاه، وإن كان حراماً أو مكروهاً ترَكَه.

فوجب على كل صاحب مهنة  أن يعرف الأحكام الشرعية المتصلة بعَمَله ليعمل في المفروض والمسنون والمباح، وليترك المكروه والمحرم.

ومن أجل هذا كان سيِّدنا عمر رضي الله عنه ينادي في السُّوق: (لا يَبِعْ في سُوقنا، إلا مَن قَدْ تَفَقَّهَ في الدِّين).

وكان سيِّدنا علي  رضي الله عنه يقول: (من اتجر قبل أن يتفقه ارتطم بالرِّبا ثم ارتطم ثم ارتطم).

وعند الطَّبراني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيٌّها النَّاس: إنَّما

العلم بالتَّعلُّم، والفقه بالتَّفقُّه، ومن يُرِد الله به خيراً يفقِّهه في الدِّين، وإنَّما يخشى الله من عباده العلماء».

ومن أجل هذا كان حرياً بمنبر الجمعة أن يتحدث عن فقه المهن وآدابها.

رابعاً: لأنني أحمل مشروعين اثنين –كما تعلمون- لمدة خمس عشرة سنة، أحدهما تحكيم الشريعة في علاقاتنا الأسرية والثاني تحكيم الشريعة في معاملاتنا المالية.

وأخطب في كل عام عن أحدهما ولئن كنا نتحدث العام الماضي عن (تربية الأبناء) وهي سلسلة مرتبطة بتحكيم الشريعة في علاقاتنا الأسرية فإن هذه السلسلة (مهنتي فقهها وآدابها) مرتبطة بتحكيم الشريعة في معاملاتنا المالية.

أيها الإخوة:

المطلب الرئيس من كل من يستمع لهذه الخطب أن يُحَكِّم شرعَ الله في مهنته، لئن فعلتَ فأنت تتعبد الله تعالى في مكان عملك تماماً كما تتعبد الله تعالى في مسجدك، وإن لم تفعل فحاول أن تفعل، وابدأ الآن.

        

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 118
تحميل ملفات
فيديو مصور