الثلاثاء 20 ربيع الأول 1443 - 26 أكتوبر 2021 , آخر تحديث : 2021-10-19 14:22:03 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2017-10-01 الساعة 07:47:11
آداب مهنة الصيانة -3-
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ   وَسَتُرَدُّونَ إِلَى

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ*} [التوبة: 105].

وقال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94].

أخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ

أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».

وأخرج البخاري ومسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِد الله به خيراً يفقِّهه في الدِّين».

هذه هي الخطبة الرابعة والعشرون في سلسلة (مهنتي: فقهها وآدابها)، ونتابع اليوم الحديث عن مهنة الصيانة، ولئن تحدثت الخطب الماضية عن مسائل فقهية في هذه المهنة، فإن خطبة اليوم تتحدث عن آداب مهنة الصيانة -3-.

أيها الإخوة:

«أَكْمَلُ المُؤمِنينَ إِيمَاناً: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً» [الترمذي].

و «إن مِنْ خِيَارِكم: أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً» [البخاري ومسلم].

و «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِني مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنُكُم أخلاقاً» [الترمذي].

«إِنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقهِ: دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» [أبو داود].

وسُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدْخِلُ الناس الجنة، قال: «تقوى الله، وحسن الخُلقُ» [الترمذي].

عشرات الأحاديث تتحذ عن فضل الخلق الحسن والأدب الوافر، فكمال المؤمن و

خيريته وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخوله الجنة وفوزه بالدرجات مرهون بأخلاقه وآدابه.

وللصائن العامل في مهنة الصيانة سواء كان فرداً أو شركات آداب وأخلاق بها يسمو في الدنيا ويعلو في الآخرة.

أعرض لكم منها أربعة:

أولها: إتقان عمله وإخلاصه في الصيانة:

فمن عمل فليتقن، ومن أصلح قطعة فليحسن. فإن في إتقان العمل عبادة قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: «إن اللّه يُحبُّ إذا عَمِلَ أحَدَكُم عملا أن يُتقِنَهُ» [البيهقي في الشعب].

 وإن في إحسان الصيانة قربة {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]

أما التقصير في العمل والتهاون فيه وتنفيذ الحد الأدنى منه أو التلاعب على أصحاب الحاجات فليس من صفات المؤمنين ولا من أخلاق المسلمين.

والأمر بالإحسان والإتقان يشمل القريب والبعيد، والمسلم والكافر، والمؤمن والعاصي.

أذكر قريبا حدثني أنه تعطل جهاز المذياع عنده فحمله إلى عامل الصيانة فأصلحه ولا

يزال يعمل منذ ثلاثين سنة، بينما أصلح صائن مذياعا آخر وعاد إليه العطل بعد يومين.

قال المناوي في كتابه "فيض القدير": "ذُكِر أنَّ صانعاً عمل عملاً تجاوز فيه، ودفعه

لصاحبه، فلم يَنَم ليلته كراهة أن يظهَر من عمله عملاً غير متقن، فشرع في عملٍ

غيره حتَّى أتقن ما تعطيه الصَّنعة، ثمَّ غدا به لصاحبه فأخذ الأوَّل وأعطاه الثَّاني، فشكره، فقال: لم أعمل لأجلك، بل قضاء لحق الصَّنعة، كراهة أن يظهر من عملي عمل غير متقن".

كانت أحدى الشَّركات الأمريكية تطلب أجهزة معينة من شركة أمريكية أخرى، وكانت تستلم الطَّلب في وقته المحدد، لكنَّها تجد نسبة خلل في الأجهزة المنتَجة يساوي 4%، ومع تكرار الأمر ومحاولة الإصلاح وعدم التَّجاوب تضايقت الشرَّكة المشترية، وقررت ترك التَّعامل مع هذه الشَّركة الأمريكية، واستعاضت عنها بشركة يابانية، اتفقوا مع الشَّركة اليابانية على نسبة خلل تساوي 2% فقط، ووقَّعوا العقد مع الشَّركة اليابانية.

لما جاء وقت تسليم الأجهزة أرسلت الشَّركة اليابانية مجموعةً كبيرةً من الأجهزة،

وإلى جانبها مجموعة صغيرة، لما وصلت الأجهزة سألوا المسؤول الياباني عن هاتين المجموعتين. فقال: المجموعة الكبيرة هي الأجهزة التي طلبتم، والمجموعة الصَّغيرة هي الأجهزة التي طلبتم أن يكون فيها خلل بنسبة 2%؛ لأنَّنا لا ننتج أصلاً أجهزة فيها خلل، وأجهزتنا مضبوطة 100%، لكن أنتم طلبتم خللا 2% فصنعنا لكم هذه الأجهزة!!

إن من أول آداب الصائن إتقان عمله وإخلاصه.

ثانيها: النصح للزبون:

فربما كان الخير لصاحب السلعة أن يستبدل بها غيرها لا أن يصلحها ويتكلف المال عليها، فواجب الصائن النصح له، ومن النصح للزبون عدم قبول الصائن لأعمال لا يتقنها، محاولاً التجربة فيها، إذ الأصل لمن أراد التجربة أن يبذل ذلك من ماله الخاص لا من أموال الناس ، وليس من العيب أن يقول من لا أدري إنه لا يدري، ويحيل الزبون إلى المتخصص بصيانة سلعته.

ومن النصح للزبون إنصاف العاملين الآخرين الذين سبقوه للعمل بصيانة الجهاز، إذ

إن بعض أهل الصيانة يوهم الزبون برفعة قدره من خلال التقليل من مجهودات

الآخرين أو احتقار أعمالهم.

ومن النصح للزبون عدم التغرير به من خلال الكذب عليه بالقول إن جهازه محتاج

إلى إعادة لف المحرك والجهاز ليس محتاجا لذلك، أو من خلال استغلال جهله  بأسعار قطع الصيانة والمغالاة عليه بسعرها، أو من خلال إيهامه بفداحة العطل في الجهاز

والواقع إنه عطل بسيط، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغرر، ولا ريب بأن المال المأخوذ من الغرر مال حرام، والعياذ بالله. وليتذكر الصائن أنه قد يعامل المعاملة نفسها في مجال آخر يجهله، فكما تدين تدان.

ومن النصح للزبون المحافظة على ممتلكاته وحسن استخدامها بما يحقق مصلحة الزبون ولا يضر بها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة» [مسلم].

ثالثها: الوفاء بالمواعيد:

 فالشكوى متكررة من عمال الصيانة خاصة والحرفيين عامة وقد اشتهروا بعدم الانضباط في مواعيدهم.

فكم من رجل استعد وأهله لاستقبال عامل صيانة أنابيب الماء لأنه وعده بالقدوم عند السابعة صباحا فلم يأت الصائن إلا في الحادية عشرة .!

 وكم من صاحب سيارة رتب برامجه على استلام سيارته من عامل الصيانة يوما فأخره أياما.!

 وكم من معمل توقفت آلته أياما بسبب تأخر الصائن في عمله بضرورة حينا وبإهمال الصائن أحيانا أخرى.!

وقد اشتهر عن بعض العاملين في الصيانة الحرص على عقد اتفاق مع الزبون بقصد ربطه وأخذ جزءٍ من المال؛ ثم يدعه يذوق المر من جرّاء تأخر الصائن بالبدء بعمل الصيانة أو إنهائه، وخلفه بالمواعيد.

أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أربع مَنْ كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومَنْ كانت فيه خَصْلَة منهن كانت فيه خَصْلَة مِنَ النِّفاق، حتى يَدَعَهَا: إِذا ائْتُمن خَانَ، وإذا حدَّث كذَبَ، وإِذا عاهَدَ غَدَرَ، وإِذا خاصم فجر».

وفي النسائي - عِوَضَ «إذا اؤتُمِنَ خان» «إذا وعَدَ أخلف».

ولمعنى النفاق في هذا الحديث وجوه عند العلماء، لخطورة حال من وسم بالنفاق،

أشهرها وجهان الأول – قاله الإمام القرطبي- أن النفاق الذي في الدرك الأسفل من

النار هو نفاق الاعتقاد، وهذا المذكور في الحديث نفاق العمل، وهو وإن يكن أهون

من نفاق الاعتقاد لكنه قبيح مذموم في الشريعة.

ووجه آخر قاله الخطابي بأن من حدث فكذب زلة قدم فليس من أهل هذا الحديث و

لكن من كثر منه الكذب في الحديث حتى صار له عادة فهو من أهله. وقل مثل ذلك في خلف الوعد وخيانة الأمانة.

أو أن من وعد فأخلف زلة قدم فليس من أهله ولكن من وعد وفي خاطره من يوم

وعده أنه سيخلف الوعد فهو من أهله, عياذاً بالله تعالى. كما قاله الغزالي.

قال ابن حجر : (وَقِيلَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالُ وَتَهَاوَنَ بِهَا وَاسْتَخَفَّ بِأَمْرِهَا فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فَاسِدَ الِاعْتِقَادِ غَالِبًا)

فالوفاء بالوعد والعهد مطلوب شرعًا {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]، إضافةً لكونه مكسباً لثقة العملاء.

قرأت عن نظام لإدارة الجودة باليابان يسمى "نظام QCD" وهي الأحرف الثَّلاثة الأولى من كلمات مهمة في الجودة هي: (النَّوعية، التَّكلفة، التَّسليم)، يعني: إذا بعتَ أو أنتجتَ أو أصلحت أيَّ سلعة فراعِ هذه الثَّلاثة، ابحث عن النَّوعية الأفضل، والتَّكلفة المناسبة، والتَّسليم في الوقت المحدد، تصل بذلك إلى الجودة والإتقان.

 

 

رابعها: احترام خصوصية الآخرين:

فمراراً ما يدخل بيوت الناس ومكاتبهم فلا يحل له أن يكشف سترا ولا أن يتبع عورة

، ومراراً ما يطلع الصائن في أجهزة الناس على خصوصيات وأسرار فلا يجوز له

متابعتها أو إفشاءها. وتذكر مباحث أخلاقيات المهنيين أنه (تحظر الإجراءات التي

تعمد إلى التقاط أو مراقبة بيانات المستخدم الإلكترونية، بما في ذلك الرسائل، دون

الحصول على إذن من المستخدمين حتى في الحالات المدرجة تحت حسن النية و

المتعلقة بتشغيل وصيانة النظم.

وفي حال تم الاطلاع بصورة غير مقصودة على بيانات المستخدم في أثناء الصيانة

فلابد من احترامها والتعامل معها بسرية تامة، فيما ما عدا الحالات التي يكون في إخفائها تسببٌ في كارثة حقيقة. ففيها يجب أن يتم الكشف عن طبيعة أو محتويات هذه المعلومات فقط إلى السلطات المختصة)

أيها الإخوة العاملون في مهنة الصيانة – أفراداً وشركات-:

أقامكم الله في خدمة عباده وتيسير مصالحهم وقضاء حاجاتهم فاجمعوا إلى مهارة

العمل كمال الخلق، وإلى جودة الصيانة تصحيح النية.

وجزاكم الله عنا كل خير ويسر لكم أعمالكم وسلمكم من شرورها.

هذا ما أردت أن أحدثكم فيه في مهنة الصيانة فقهها وآدابها، واذكروا أن المطلب الرئيس من كل من يستمع لهذه الخطب أن يُحَكِّم شرعَ الله في مهنته، لئن فعلتَ فأنت

تتعبد الله تعالى في مكان عملك تماماً كما تتعبد الله تعالى في مسجدك، وإن لم تفعل فحاول أن تفعل، وابدأ الآن.

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 956
تحميل ملفات
فيديو مصور