الاثنين 11 ذو الحجة 1445 - 17 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-15 13:24:40 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2017-04-11 الساعة 11:05:52
مهنة الطب -1-
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

  

قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ   وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ*} [التوبة: 105].

وقال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94].

أخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ

أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». [البخاري].

وأخرج البخاري ومسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِد الله به خيراً يفقِّهه في الدِّين».

هذه هي الخطبة الثامنة في سلسلة (مهنتي: فقهها وآدابها)، ونبدأ اليوم الحديث عن مهنة الطب.

أيها الإخوة:

الطبُّ: علمٌ وفنٌّ موضوعُهما علاجُ المرض أو منعهُ.

وتعلمون أن الشريعة جاءت لجلب المنافع، ودرء المفاسد، ووُضِعَت للمحافظة على الضرورات الخمس، وهي: (الدينُ, والنفس, والعرض أو النسل, والمال, والعقل).

وإن الطبَّ والأطباء بمحافظتهم على نفس الإنسان حيناً, وعقلِ الإنسان حيناً آخر,

ونسله حيناً ثالثاً؛ يخدُمون الشريعة والحياة.

لذلك قال سلطانُ العلماء العز بن عبد السلام: (الطبُّ كالشرع, وُضِعَ لجلب مصالِحِ السلامة والعافية، ولدرءِ مفاسد الأعطاب والأسقام).

وقال الإمام الشافعي: (لا أعلمُ علماً بعد الحلال والحرام أَنبلَ من الطب).

وقد اهتم المسلمون بالطب وعلومه وتفننوا في خدمة أهله ومؤسساته، حتى برز

فيهم الكثير من الأطباء وشيدوا في بلادهم الكثير من مدارس الطب ومشافيه.

وفسحت الحضارة الإسلامية لأبنائها المجال واسعاً للنهل من معين العلوم، فكنت

ترى الطبيبَ حافظاً للقرآن الكريم في الغالب، فقد ذكروا أنَّ ابنَ سينا حفظ القرآن وهو ابن عشر سنين، وليست مجالس إقراء القرآن للشيخ الطبيب سامر النص في مسجد الشيخ محيي الدين بن العربي، وللشيخ الطبيب محمد خالد علبي في مسجد التوبة،

وللشيخ الصيدلاني أبي أنس عبيد في مسجد الروضة، وللشيخ الطبيب رفعت علي

ديب في مسجد سعد بن معاذ؛ منا ببعيدة.

  وكنت ترى الطبيبَ حافظاً للحديث الشريف, فقد ذكروا أن الطبيبَ إبراهيمَ بن

إسماعيل القيسي (ت741هـ) كان طبيباً محدِّثاً، يحِّدث في مسجد دمشق.

وكنت ترى الطبيب شيخاً فقيهاً، فتحدثنا كتب التراجم عن الشيخ الطبيب شهاب الدين

أبو العباس الصفدي (737ه)، وعن الشيخ الطبيب عيسى بن محمد بن سعادة الأموي (728ه)، وكثير من أطبائنا قرأ أو سمع عن الشيخ الطبيب محمد علي البار، وكثير

من كبارنا عاصروا مفتي سوريا الشيخ الطبيب أبا اليسر عابدين، وغيرهم كثير.

ورأينا الطبيبَ العابدَ، قالوا عن الطبيب إبراهيم الرقي (ت703هـ): كان من أولياءِ الله تعالى.

ورأينا الطبيبَ أديباً شاعراً، فبين أيدينا ديوان وروايات وقصص الطبيب الأديب نجيب كيلاني، قال الطبيبُ الأديب ابن الشبل البغدادي:

تَلَقَّ بالصبرِ ضَيْفَ الـهم تُرْحِــلُهُ

إن الـهُمُومَ ضيوفُ أكلُــها الـمـهجُ

فالـخطبُ ما زَادَ إلا وهو منتقص

والأمـرُ ما ضَاقَ إلا وهـو منفـرجُ

فـرَوِّح النَفْسَ بالتعلِّيـلِ ترضَ به

عسى إلى ساعـةٍ مـن ساعـةٍ فـرج

 

 

     

فليعلم الطبيب اليوم أنه في مهنته امتداد لحضارة إسلامية عريقة وأنه يزداد قرباً إلى الله تعالى ببر خلقه وإيصال النفع لهم، ما التزم أحكام الشريعة في عيادته ومشفاه.

-    متى يجوز للطبيب أن يقرر رفع أجهزة الإنعاش عن المريض؟

-    ما حكم كتابة الأدوية المشتملة على الكحول أو المخدرات للمريض؟

-    ما حكم تشريح الجثث في كلية الطب لتعليم الطلاب؟

-    ما حكم مداواة الرجل للمرأة وعكسه؟

-    متى يتوجب على الطبيب التعويض للمريض عن الضرر الذي ألحقه به نتيجة معالجته؟

-    متى يجوز أن آذن للمريض بالفطر في نهار رمضان؟

-    ما حكم عمليات التجميل؟

-    ما حكم قبول هدايا الشركات العاملة في المجال الطبي؟

إليكم الإجابات، والله المعين:

السؤال الأول: متى يجوز للطبيب أن يقرر رفع أجهزة الإنعاش عن المريض؟

الجواب: جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1986: [يُعتَبر شرعًا أن الشخص قد مات، وتترتب عليه جميع الأحكام المقرَّرَة شرعًا للوفاة عند ذلك، إذا تبيَّنَت فيه إحدى العلامتين التاليتين:

1- إذا توقف قلبُهُ وتنفُّسُه توقُّفًا تامًّا، وحَكَمَ الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعةَ فيه.

2- إذا تعطَّلَت جميع وظائف دماغه تعطُّلا نهائِيًّا، وحَكَمَ الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعةَ فيه، وأخذ دماغه في التحلل].

فإذا اعتبر الشخص ميتاً جاز عندها رفع أجهزة الإنعاش عنه، وأمكن التبرع بأعضائه إن كان أوصى بذلك أو أذن ورثته بذلك إن لم يكن موصياً، وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي عام 1987، ونص القرار:

[المريض الذي رُكِّبَت على جسمه أجهزة الإنعاش يجوز رفعها إذا تعطَّلَت جميع

وظائف دماغه نهائِيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أن التعطُّل

 لا رجعةَ فيه، وإن كان القلب والتَّنَفُّس لا يزالان يعملان آلِيًّا، بفعل الأجهزة المركَّبَة] والله أعلم.

 

السؤال الثاني: ما حكم كتابة الأدوية المشتملة على الكحول أو المخدرات للمريض؟

الجواب: جاء في قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي عام 2002 بشأن الأدوية المشتملة على الكحول والمخدرات:

[أولاً: لا يجوز استعمال الخمرة الصرفة دواء بحال من الأحوال؛ لقول رسول الله

صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» [البخاري]،

ولقوله: «إن الله أنزل الداء وجعل لكل داءٍ دواءً فتداووا، ولا تتداووا بحرام» [أبو داود]، وقال لطارق بن سويد لما سأله عن الخمر يجعل في الدواء: «إن ذلك ليس بشفــاء، ولكنه داء» [ابن ماجه].

ثانياً: يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهراً خارجياً للجــروح، وقاتلاً للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية.

 ثالثاً: يوصي المجمع الفقهي الإسلامي شركات تصنيع الأدوية، والصيادلة، في الدول الإسلامية، ومستوردي الأدوية، بأن يعملوا جهــدهم في استبعاد الكحول من الأدوية، واستخدام غيرها من البدائل.

رابعاً: كما يوصي المجمع الفقهي الإسلامي الأطباء بالابتعاد عن وصف الأدوية المشتملة على الكحول ما أمكن].

وقل مثل هذا القول في الكحول في الأدوية المخدرة التي يصفها الطبيب لمريض

مضطر أو محتاج إليها أو في الأدوية الحاوية على مواد مستخلصة من أجزاء الخنزير كالأنسولين الخنزيري.

فهذه الأدوية الأصل فيها أنها حرام فلا يجوز استعمالها إلا عند الاضطرار إليها،

وبحيث لا يوجد بديل عنها من الطاهرات، ويصفها الطبيب المسلم الحاذق، ولا يتجاوز مستعملها مقدار الضرورة. والله أعلم

السؤال الثالث: ما حكم تشريح الجثث في كلية الطب لتعليم الطلاب؟

الجواب: كرم الإسلام الإنسان حياً وميتاً قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازة وقال: «أليست نفساً» [البخاري

ومسلم]، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا [أبو داود]

، وحرم الإسلام العبث بجثث الموتى والتمثيل بها، إلا أن الشريعة أجازت للضرورة

تشريح جثث الموتى عندما يكون ذلك وسيلة ضرورية للتعليم وإتقان مهنة الطب، وعندما يكون ذلك ضرورياً في الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة في الأمور الجنائية.

 

جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة بشأن تشريح جثث الموتى:

[أولاً: يجوز تشريح جثث الموتى، لأحد الأغراض الآتية:

(أ) التحقيق في دعوى جنائية، لمعرفة أسباب الموت، أو الجريمة المرتكبة، وذلك عندما يُشْكل على القاضي معرفة أسباب الوفاة، ويتبين أن التشريح هو السبيل لمعرفة هذه الأسباب.

(ب) التحقق من الأمراض التي تستدعي التشريح، ليتخذ على ضوئه الاحتياطات الواقية، والعلاجات المناسبة لتلك الأمراض.

(ج) تعليم الطب وتعلمه، كما هو الحال في كليات الطب.

ثانياً: في التشريح لغرض التعليم تراعى القيود التالية:

(أ‌) إذا كانت الجثة لشخص معلوم، يشترط أن يكون قد أذن هو قبل موته بتشريح

جثته، أو أن يأذن بذلك ورثته بعد موته، ولا ينبغي تشريح جثة معصوم الدم إلا عند الضرورة.

(ب‌) يجب أن يقتصر في التشريح على قدر الضرورة، كيلا يعبث بجثث الموتى.

(ج) جثث النساء لا يجوز أن يتولى تشريحها غير الطبيبات، إلا إذا لم يوجدن.

ثالثاً: يجب في جميع الأحوال دفن جميع أجزاء الجثة المشرحة.

وقد سألني أحد طلاب كلية الطب يقول: (عند حضور جلسات التشريح والجثث بين أيدينا... ما ضوابط تعاملنا معها كطلاب هل أكون كمراقب أم يحق لي العبث بأعضائها والتجريب على تلك الجثث مهما كانت بقصد البحث والاستكشاف؟)

وأعتقد أن الجواب صار واضحاً، بأنه جائز للمعلم والطالب التصرف بالجثة بقدر

حاجة التعليم، لأن ما شرع لضرورة فإنه يقدر بقدرها. والله أعلم.

السؤال الرابع: ما حكم مداواة الرجل للنساء وعكسه؟

الجواب: جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي عام 1993 م:

[الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضةـ

وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقةٌ، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به

طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على

أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا

يزيد على ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة].

أيها الإخوة:

هذه بعض الإجابات على مسائلكم الفقهية المتعلقة بمهنة الطب وللموضوع تتمة

إن شاء الله.

 واذكروا أن المطلب الرئيس من كل من يستمع لهذه الخطب أن يُحَكِّم شرعَ الله في مهنته، لئن فعلتَ فأنت تتعبد الله تعالى في مكان عملك تماماً كما تتعبد الله تعالى في مسجدك، وإن لم تفعل فحاول أن تفعل، وابدأ الآن.

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1717
تحميل ملفات
فيديو مصور