الاثنين 18 ذو الحجة 1445 - 24 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-23 12:57:32 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2017-01-08 الساعة 15:46:05
(كُتِبَ، جُمِعَ، صُنِّف)
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

 

قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]

وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]

وَقالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]

    أخرج البيهقي بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ

 رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحَاقَرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوا يَا أَيُّهَا

النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».

    وأخرج الترمذي وغيره بسند ضعيف أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا

 أراد أن يبعثَ معاذاً إلى اليمن، قال له: «كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاء؟»

قال: أقْضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: أقضي بِسُنَّةِ رسول الله، قال: «فإن لم تجد في سُنَّةِ رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي، ولا آلُو،

 قال: فضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ، وقال: «الحمد لله الذي

وَفَّق رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِمَا يُرضي رسولَ الله».

أيها الإخوة:

بمناسبة شهر ربيع الأول شهر ولادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عقدت

سلسلة خطب عنوانها: (سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ لنكثر من

الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، ولنزداد به علماً وله اتباعاً ومنه قرباً، صلوات ربي وسلامه عليه.

تتحدث السلسلة عن معنى السنة ومنزلتها في الإسلام وواجباتنا نحوها.

عنوان خطبة اليوم: كُتِبَ، جُمِعَ، صُنِّف

أيها الإخوة:

 كتب أحد المفكرين الإسلاميين يقول: (من طالع تاريخ الإسلام منذ بعث اللهُ

محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى اليوم، يرى ظاهرة واضحة كل الوضوح، وهي أَنَّ الإسلام ما برح يخوض معارك متعددة النواحي، تستهدف القضاء عليه أو تشويهه أو صرف المُسْلِمِينَ عنه، ولولا أَنَّ الإسلام دين اللهِ الذي تَكَفَّلَ بحفظه لكانت بعض مؤامرات أعدائه كافية للقضاء عليه وانمحاء أثره.

ومن الواضح أَنَّ المؤامرات العدائية للإسلام تلبس في كل عصر لبوسها، فهي

حين يكون المسْلِمِونَ أقوياء تأخذ طريق التهديم الفكري والخلقي والاجتماعي، وحين يكونون ضعفاء تتخذ طريق الحرب والتجمع وتستهدف الإبادة والإفناء،

فإذا عجزت طريق الحرب عن تحقيق أهدافها انقلبت إلى طريق فكري خداع، تستهوي عقول الغافلين أو المغفلين..

إِنَّ التشكيك في السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ التي تُذْعِنُ لها جماهير المُسْلِمِينَ،

 والتي أقامت صرح الفقه الإسلامي العظيم الذي لا تملك أُمَّةٌ من أمم الأرض عشر معشاره، هو مَثَل بارز لمحاولات أعداء الإسلام في القديم والحديث، فقد

أخذت هذه المؤامرة طريقها إلى عقول بعض الفرق الإسلامية في الماضي،

 كما أخذت طريقها إلى عقول بعض المثقفين من أبناء جلدتنا، إنها مؤامرة لا ريب فيها، فالمُسْتَشْرِقُونَ اليهود واللاهوتيون المُتَعَصِّبُونَ يُلِحُّونَ عليها).

غير أن حراس العقيدة وحماة الدين من علماء الشريعة المخلصين يقفون لهذه المحاولات بالمرصاد فيردونها ويدفعون عن أبناء الأمة زيغها، وإن من واجب

المسلمين جميعاً الدفع عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ليوصلوها إلى أبنائهم غضة طرية كما وصلت إليهم.

ويسعني في خطبة اليوم أن أعرض لشبهة واحدة يرمي بها المشككون السنةَ النبوية الشريفة، ثم أرد عليهم شبهتهم.

يقولون: إن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب، ثم بعد هذه المدة الطويلة

قرر المحدثون جمع الحديث، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث، فصار

هؤلاء يقول الواحد منهم: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وبما أن الفتن أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية فقد قامت بعض

الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على حق، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح أو هذا الحديث موضوع؟!.

ومما يدل على أن الحديث لم يكتب إلا متأخراً، أن الإمام البخاري صاحب أصح

كتاب بعد القرآن من وفيات 256ه، وأن الإمام مسلم من وفيات 261، وقل

مثل هذا بل بعد هذا التاريخ في وفاة أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه،

 وهذه هي الكتب الستة الشهيرة في رواية الحديث، ولعل موطأ الإمام مالك أقدمها وقد مات مالك سنة 179ه .

وبهذا نجد تأخر كتابة الحديث بعد الرسول أكثر من مائة وخمسين سنة على أقل تقدير، فكيف يستطيع علماء الحديث التمييز بين صحيحه وسقيمه؟!

هذه واحدة من الشبه التي يلقيها بعض المستشرقين ويمضغها بعض أبناء جلدتنا من المثقفين غير المتخصصين، ليوقعوا الريب في أبناء الأمة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومختصر جواب هذه الشبهة في عنوان الخطبة:  كتب، جمع، صنف.

وبيانه في الآتي:

1-  كُتِبَ: إن كتابة الحديث قد بدأت منذ العهد الأول في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وشملت قسماً كبيراً من الحديث، حتى قد يقع في ظن الباحث أن الحديث قد دُوّن جميعه منذ عهده المبكر.

فقد أخرج البخاري في "صحيحه" في كتاب العلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ

قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ – بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ

- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ

القَتْلَ، أَوْ الفِيلَ - شَكٌّ مِنَ البُخَارِيِّ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ - وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَ

إِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا،

وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ» فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: "اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ"، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» .

كما ثبت أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ عَصْرِهِ وَأُمَرَاءِ جَزِيرَةِ العَرَبِ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الإِسْلاَمِ  وكان ينفذ مع بعض أمراء سراياه كُتُباً ويأمرهم أن لا يقرؤها إلا بعد أن يجاوزوا موضعاً معيناً.

و ثَبَتَ أن بعض الصحابة كانت لهم صُحُفٌ يُدَوِّنُونَ فيها بعض ما سمعوه من

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي

كان يسميها بـ "الصادقة "، فقد أخرج أحمد والبيهقي في "المدخل" عن أبي

هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، قال: «مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه - صَلَّى

 اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِّي إِلاَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، فَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» وكتابة

عبد الله بن عمرو استرعت أنظار بعض الصحابة الذين قالوا: إنك تكتب عن

رسول الله كُلَّ مَا يَقُولُ، وَرَسُولُ اللهِ قَدْ يَغْضَبُ فَيَقُولُ مَا لاَ يُتَّخَذُ شَرْعًا عَامًّا،

 فرجع ابن عمرو إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ» .

وثبت أنه كان عند علي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - صحيفة فيها أحكام الدية على العاقلة وغيرها،

كما ثبت " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِبَعْضِ عُمَّالِهِ كُتُبًا حُدِّدَتْ

فِيهَا مَقَادِيرُ الزَّكَاةِ فِي الإِبِلِ وَالغَنَمِ".

وبهذا يظهر أن كثيراً من أهم الأحاديث كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولئن كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة شيء غير القرآن في أول الأمر فإنه أجاز الكتابة آخراً.

2- جُمِعَ: أحس عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي وهو من وفيات 101

للهجرة بالحاجة الملحة لحفظ كنوز السنة؛ فكتب إلى الأمصار أن يجمعوا ما عندهم من الحديث ويدونوه حتى لا يضيع بعد ذلك.

أخرج البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما

 كان من الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم (أي: ذهابه) وذهاب العلماء".

3- صُنِّفَ: ثم بعد هذا انتشر التصنيف بمعنى تدوين الحديث على الأبواب والمواضيع ونحوها.

فأصحاب الكتب الستة الذين توفاهم الله في القرن الثالث الهجري والإمام مالك صاحب الموطأ من وفيات 179 ه وغيرهم، لم يوجدوا أحاديث من العدم ولكنهم صنفوا ما هو موجود قبلهم.

فتصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع مرحلة متطورة متقدمة كثيراً في كتابة الحديث.

ومع كل هذا، فإن علماء الحديث بدْءاً من عصر الصحابة وإلى نهاية عصر

الرواية كانوا يعتمدون على الكتابة بضوابط صارمة للتحقق من الحديث، ويعتمدون على الحفظ بمنهج نقد تؤكد أن الراوي أدى الحديث كما سمعه.

وبهذا يظهر لكم –أيها الإخوة- أن السنة المشرفة كُتِبَ أهمها في زمن النبي

صلى الله عليه وسلم، وجُمِعَت بشكل رسمي في زمن عمر بن عبد العزيز، وصُنِّفَت في زمن أصحاب الكتب الستة؛ بل قبلهم.

وبهذا يظهر جهلُ أو غلُّ من يمضغون شبهةَ تأخر ِكتابةِ الحديث واختلاط

صحيحه بموضوعه، ويرمون بها في طريق أبناء المسلمين ليشككوهم في سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ونسوا أن للحق رجالاً نذروا حياتهم له ووقفوا لهم بالمرصاد.

أيها الإخوة:

تجدون في كتاب "منهج النقد في علوم الحديث" للدكتور نور الدين عتر،

 و"السنة ومكانتها في التشريع" للدكتور مصطفى السباعي وغيرهما إجابةً على كثير من ريب المستشرقين وأزلامهم.

وأختم بما ختمتُ به الخطب الماضية: إن حبّ المسلمين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ووعيهم بمنزلة سنته الشريفة جعلهم يبذلون الغالي والرخيص ليحافظوا عليها ويلتزموا العمل بها، وينشروها ويعلموها أولادهم وأحفادهم وتلامذتهم.

وإن هذه الأمانة -أعني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- قد وصلت إلينا

غضَّة طريّة، وهي اليوم في أيدينا لنوصلها إلى أولادنا وأحفادنا وتلامذتنا

وأجيالنا القادمة، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وإنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها.

كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد إلى وُلاته في الأمصار يقول: (أصلحوا الناس بالسنَّة، فإذا لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله)

قَالَ الإمام مَالك : "السّنة سفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق"

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1739
تحميل ملفات
فيديو مصور