الاثنين 11 ذو الحجة 1445 - 17 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-15 13:24:40 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-12-26 الساعة 09:13:23
كيف وصلت إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

  

قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]

وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]

وَقالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]

 أخرج الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جُلَيْبيب

امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا. قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: مَا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا جلَيبيباً، وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْمَعُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ.

فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ وتَلَتْ

هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب: 36] .

إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ فَأَنْكِحُوهُ. فقَالَا صَدَقْتِ. فَذَهَبَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِينَاهُ. قَالَ: "فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُهُ". قَالَ: فَزَوَّجَهَا.

قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ لَهُ، فَلَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ

لِأَصْحَابِهِ: "هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ"؟ قَالُوا: نَفْقِدُ فَلَانًا وَنَفْقِدُ فَلَانًا. قَالَ: "لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى". فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَأَتَاهُ

 رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا،

 ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ، مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا

سَاعِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ،  قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا كَانَ فِي

الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا.

سُئِل ثابت: هَلْ تَعْلَمُ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: "اللَّهُمَّ، صَبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا" ، فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا).

أيها الإخوة:

بمناسبة شهر ربيع الأول؛ شهر ولادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عقدت

سلسلة خطب عنوانها: (سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، لنكثر من الصلاة 

والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ولنزداد به علماً وله اتباعاً ومنه قربا صلوات ربي وسلامه عليه.

تتحدث السلسلة عن معنى السنة ومنزلتها في الإسلام وواجباتنا نحوها.

عنوان خطبة اليوم: كيف وصلت إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

أيها الإخوة:

 اختص الله هذه الأمَّة بحفظ حديث نبيها غَضًّا طَرِيًّا، فها أنتم تسمعون اليوم حديث

  رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب به على المنابر وتَقرؤونه وتُقرِؤنه أبناءكم  كما قاله ونطق به صلى الله عليه وسلم وكأنه صدر عنه الساعة.

 فكيف وصل إلينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من تطاول الأزمان، وتباعد المسافات؟

الجواب: لمعرفة رجالات الأمة بعظيم مكانة السنة الشريفة  عُنوا بها عناية لم يسبق

لها مثيل في أمة من الأمم، بدءاً من عصر الصحابة الكرام وإلى وقتنا الحاضر.

أخرج الخطيب البغدادي عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ

أَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ: فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى أتَيْتُ الشَّامَ،

فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ أن جَابِرًا عَلَى الْبَابِ، قَالَ:

فَرَجَعَ إِلَيَّ الرَّسُولُ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ فَاعْتَنَقَنِي وَاعْتَنَقْتُهُ، قَالَ: ما جاء بك.

 قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَظَالِمِ لَمْ أَسْمَعْهُ فَخَشِيتُ أَنْ أَمُوتُ أَوْ تَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ أَوْ قَالَ يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قُلْتُ: مَا

بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، قَالَ: فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ

قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ

النَّارُ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَدْخُلُ النَّارَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ

يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ حَتَّى اللَّطْمَةِ، قَالَ: قُلْنَا كَيْفَ هُوَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ تَعَالَى عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا قَالَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ»

فهاهنا يرحل سيدنا جابر رضي الله عنه من بلد إلى بلد من المدينة المنورة إلى الشام ليأخذ حديثا واحدا من صحابي آخر؛ لعلمِه بمنزلة السنة ومكانة الحديث الشريف.

وقد ألف الخطيب البغدادي كتابا سماه "الرحلة في طلب الحديث" ذكر فيه أخباراً كثيرة عن علماء هذه الأمة بدءاً من عصر الصحابة كانوا يرحلون طلبا لحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.

وتُعَدُّ البعثات العلمية اليوم، التي ترسلها وزارات التعليم العالي مَدِينة لرجالات

الحديث في تأسيسهم وتأصيلهم لهذه البعثات.

 ويذكر أصحاب كتب التراجم  ألقاب وأخبار العلماء في ترحالهم لطلب حديث رسول

الله صلى الله عليه وسلم يقولون: الإمام الرحالة.. الإمام الجوال.. الإمام الطواف.. إشارة إلى طوافه في الأرض طلباً للحديث الشريف.

ويقولون: فلان طاف الأرض أربع مرات, دوُّخ الدنيا في طلب الحديث, طاف الدنيا

من مشرقها إلى مغربها على قدميه.

وفضلاً عن الرحلة في طلب الحديث وجمعه وضع المسلمون قوانين رواية الحديث، ومعايير قبول الخبر، وتكلموا في الرجال ليتميز المقبول من غير المقبول.

وأنشؤوا علم مصطلح الحديث وضمنوه أكثر من ثمانين علماً ليتحققوا من صدق الخبر، وقد اعتمده لاحقاً علماء التاريخ في العالم قاطبة لتقصي الحقائق التاريخية، ووجدوا فيه خير ميزانٍ توزن به وثائق التاريخ.

يقول المستشرق (اسبرنجر) متحدثاً عن علم الجرح والتعديل وهو أحد علوم

مصطلح الحديث: (يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال؛ علم الجرح والتعديل

 كما شاؤوا، فلم توجد أمة في الماضي ولا في الحاضر دَوَّنَتْ تراجم وسير العلماء

خلال اثني عشر قرناً، كما فعل المسلمون فبإمكاننا الحصول على تراجم خمسمائة ألف عالم من المشهورين في كتبهم).

 ولئن كنتم أيها الإخوة تجدون بين أيديكم آلاف الأحاديث الصحيحة عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم بل تجدون منها المتواترة فإن سائر الأمم لا تتطاول إلى تمني

وجود حديث صحيح واحد بنقل الثقة عن الثقة إلى نبيٍّ من أنبيائهم، قال ابن حزم: (نقل الثقة عن الثقة مع الاتصال حتى يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، خصّ الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلّها وأبقاه عندهم غضّاً جديداً على قديم الدهور..).

وقد أفرز اعتناء علماء المسلمين بالحديث الشريف والسنة النبوية حفّاظاً وعلماء اعتُبِروا على مرّ التاريخ معجزات في الحفظ والعلم والاجتهاد.

 فها هو الإمام يحيى بن معين أحد رجالات الحديث يقول: (كتبتُ بيدي هذه ستمائة

ألف حديث)،  وها هو الإمام البخاري يقول: (احفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي

ألف حديث غير صحيح)، والإمام الحاكم صاحب المستدرك يقول: (كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث).

وقرأ الحافظ الحسن السمرقندي صحيح مسلم نيفاً و ثلاثين مرة,  و قرأ الفيروز

أبادي كتاب البخاري أزيد من خمسين مرة.

 

أيها الإخوة:

هذه إجابة مختصرة على عنوان الخطبة: كيف وصلت إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

وأختم بما ختمت به الخطب الماضية: إن حبّ المسلمين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ووعيهم بمنزلة سنته الشريفة جعلهم يبذلون الغالي والرخيص ليحافظوا عليها ويلتزموا العمل بها، وينشروها ويعلموها أولادهم وأحفادهم وتلامذتهم.

وإن هذه الأمانة أعني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصلت إلينا غضَّة

طريّة، وهي اليوم في أيدينا لنوصلها إلى أولادنا وأحفادنا وتلامذتنا وأجيالنا القادمة،

في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، وإنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها.

كتب عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد إلى وُلاته في الأمصار يقول: (أصلحوا الناس بالسنَّة، فإذا لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله)

قَالَ الإمام مَالك : "السّنة سفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق"

 

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1566
تحميل ملفات
فيديو مصور