الاثنين 11 ذو الحجة 1445 - 17 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-15 13:24:40 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-09-05 الساعة 13:59:45
الحج وأيّام العشر
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

 

قال الله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ

فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 27 - 29]

وقال الله تعالى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر: 1 - 5]

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «العُمرةُ

 إلى العُمرةِ كَفَّارة لما بينهما، والحجُّ المبرور: ليس له جزاءً إلا الجنة» [البخاري ومسلم]

أخرج البخاري وأبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال

رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن أيامٍ العملُ الصَّالِحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله

من هذه الأيام العَشْرِ، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجِهادُ؟ قال: ولا الجِهادُ، إلا رجل خَرجَ يُخاطِرُ بنفسه ومَالِه، فلم يرجعْ بشيء» .

وفي رواية للترمذي – فيها ضعف- : « يَعْدِلُ صيامُ كل يوم منها بصيام سنة، وقيامُ كلِّ ليلة منها بقيام لَيْلةِ القَدْر»

 

 

أيها الإخوة:

نحن في الخطبة السابعة والعشرين من سلسلة تربية الأبناء، ولكنّي وبمناسبة

 انتظارنا لأعظم أيّامِ الدنيا، أيام عشر ذي الحجة، سأجعل هذه الخطبة والتي بعدها حديثاً عن هذه الأيام المباركات .

عنوان خطبة اليوم:  (الحج وأيام العشر)

وفي خطبة اليوم ثلاث نقاط:

أولها: حكم الحجِّ .

وثانيها: الحجُّ وحقوق العباد .

وثالثها: أيَّام العشر .

أمَّا النقطة الأولى: حكم الحجِّ .

فقد أجمع العلماء على أنَّ الحجَّ فريضةٌ محكمةٌ، مرةً واحدةً في العمر، ثَبَتَتْ فَرضيّتُه للمستطيع بالقرآن والسنة والإجماع، قال تعالى:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] .

قال الإمام القرطبي في تفسيره: الَّلام في قوله {وَلِلَّهِ} لام الإيجاب والإلزام، أي

يجب عليكم لله حجُّ البيت، ثمَّ أكده بقوله تعالى: {عَلَى} {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ

الْبَيْتِ} التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب . وقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ

فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} يعني من كفر بالحجِّ، أي مَن ترك الحجَّ وهو قادر عليه .

من هنا يُخطئ كلُّ مسلمٍ يجب عليه الحجُّ ويجد الاستطاعة ثمَّ هو لا يحجُّ .

يقول: عندي أعمالٌ، لن أتركَ مصالحي لأذهب عشرين يوماً للحجِّ..!

 مساعدة الناس بمالي أفضل من حجي المفروض..!

 أنا في عملي في عبادةٍ ولن أتركَ العملَ لأذهب للحجِّ..!

أنا الآن (بكير) عليَّ..!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ الله عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» [مسلم]  

ودرس العلماء مسألةً مهمة، فقالوا: هل يجبُّ الحجُّ على الفور أم على التراخي؟

يعني مَن ملك المال للحجِّ ووجد قدرةً بدنيةً على الحجِّ، وأُذن له بالحجِّ، فهل الحجُّ في حقه واجبٌ على الفور، أي يجب في هذا العام أن يخرجَ، أو أنه على التراخي يمكن أن يؤجلها سنواتٍ أُخرى؟

هل يجب الحجُّ على الفور أم على التراخي؟

جمهور العلماء قالوا: يجبُّ الحجُّ على الفور لمن مَلَكَ الاستطاعة من مالٍ

 وصحةٍ وإذْنٍ في السَّفر، وذَكَرُوا أنَّ مَنْ تَحَقّقَ فرضُ الحجِّ عليه في عامٍ فأَخّره 

 يكون آثماً، واستدلوا بحديث النَّبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً

 تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الله

 يَقُولُ فِي كِتَابِهِ:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}» [الترمذي] وهو ضعيفٌ لكن له طرقٌ تقويه .

 فجمهور العلماء قالوا: وجوب الحجِّ على الفور، ووحدَه الإمام الشافعي قال: (إنَّ الحجَّ واجبٌ على التراخي بشرط أن يأمن عدم العجز، وهلاك المال).

فلا يأثم المستطيع بتأخيره، لكن بشرط أن يعزمَ على الحجِّ في المستقبل، فلو خشيَ العجزَ أو هلاك المالِ حَرُمَ التأخيرُ .

ودرس العلماء مسألةً ثالثة في حكم الحج: ما حكم تكرار الحجِّ؟

الحجُّ فرضٌ مرَّةً واحدةً في العُمر، فما حكم من أراد أن يكرِّر الحجَّ؟

الرَّأي اليوم - ونحن في أزمةٍ نسأَل اللهَ تعجيلَ كشفها -  أنَّ الأفضلَ عدمُ تكرار

الحجِّ؛ لينتفع بماله المحتاجون والمتضررون، وليفسحَ المجالَ لمنْ لم يحجَّ لكي يحجَّ .

 وذلك مالم تكنْ مصلحةٌ راجحةٌ في ذهابه للحجِّ مرةً ثانيةً وثالثةً، كأن يكون معلِّماً لغيره، أو مرشداً له، أو عاملاً في خدمات الحجِّ، أو مَحرماً لواحدةٍ من محارمه، أو كواه الشوقُ حتى أعياه .

 جاء رجلٌ يودِّع بشر بن الحارث وقال: عزمت على حجِّ النافلة، فتأمرني بشيءٍ؟

فقال له: كم أعددت للنفقة؟

قال: ألفي درهمٍ.

قال: فأي شيءٍ تبتغي بحجّك؟

قال: مرضاةَ الله تعالى .

قال: فإن أصبْتَ مرضاةَ الله تعالى وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم، أتفعل ذلك؟

قال: نعم .

قال: اذهب فأعطها عَشَرةَ أنفسٍ: مديوناً يقضي دَيْنَه، وفقيراً يَلُمُّ شعثَه، ومُعيلاً يُغني عيالَه، ومربيّ يتيمٍ يُفرحه، وإنْ قويَ قلبُك أن تعطيها واحداً فافعل، فإنّ إدخالَك السُّرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان، وكشف الضُّر، وإعانة الضَّعف، أفضلُ من مائة حجةٍ بعد حجة الإسلام .

النقطة الثانية: الحجُّ وحقوق العباد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [مسلم]

وفي رواية عند الترمذي: «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .

والسؤال: هل الحجُّ يغفرُ الذنوبَ جميعاً؟ وهل يُسقط الحجُّ حقوقَ العباد؟ كما يفيد ظاهر الحديث: «رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» !

في أحد مواسم الحجِّ صَحِبَ رجلٌ أحدَ الدُّعاة للذَّهاب إلى الحجِّ، ولَمَّا كانا في

مطار المغادرين، لقي الرَّجل صديقاً له، مغادراً مع المغادرين فاقترب منه وسلَّم عليه وسأله: أين السَّفر؟ قال: إلى الحجِّ .

سأله: لي عليك دينٌ قديمٌ لم ترده، فكيف تحجُّ وللنَّاس عليك حقوق؟!

قال الرجل: سامحني بالدين .

قال: لنْ أفعل، هذا حقِّي عندك .

قال: لا عليك ألَّا تفعل. فأنا الآن ذاهبٌ إلى الحجِّ وسيغفرُ اللهُ لي، وسأعود كما ولدتني أمي، بغير ذنوب، سامحتني أو لم تسامحني.. !!

هل الحجُّ يغفر الذنوب جميعاً؟ سواء كانتْ حقوق الله أو حقوق العباد.

الجواب:

أجمع العلماء أنَّ الحجَّ لا يُسقط حقَّ الآدمي . وقال ابن حجر: (الحجُّ يهدم ما قبله ما عدا المظالمَ، أي حقوق العباد) . ونقل الأمام النووي وعياض وغيرهما: أنَّ محلَّ المغفرة في الحجِّ في غير التبعات، أي حقوق العباد.

أي رجع كيومِ ولدَتُه أمُّه فيما يتعلَّق بعلاقته مع الله، أمَّا حقوق العباد لابُدَّ أن يؤدِّيَها .

وبناءً على ذلك فلابُدَّ للمرء أن يؤدِّي حقوقَ العباد التي في رقبته سواءً قبل

الحجِّ أو بعده، ولا يَظُنَّنَ ظانٌّ من النَّاس أنَّه يأكلُ أموالَ النَّاس ظلماً أو يعتدي على دمائهم وأعراضهم ثمَّ يحجُّ فيُغفرُ له .

النقطة الثالثة والأخيرة: أيّام العشر.

 وهي أيَّام عشر ذي الحِجَّة التي نستقبلها غداً - إن شاء الله - وقد جعلَ اللهُ تعالى الطاعة فيها محمودةً، جبراً للذين لم يستطيعوا الحجَّ، فمَن كان منَّا ذاهباً للحجِّ فطاعته في الحجِّ، وأمَّا الذين لم يذهبوا للحجِّ فبإمكانهم أن يستكثروا من الأعمال الصالحات من صوم وصلاة وذكر وقيام وبر وصلة ليقاربوا أجور الحجاج .

وحديث أيام العشر «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ» قال عنه ابن رجب (هذا الحديث حديث عظيم جليل)

ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث، عن ابن عباس - إذا دخل

العشرُ اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه . وروي عنه، أنه قال: (لا تُطفئوا مصابيحَكم في العشر - يُعجبه العبادة - ).

 قال ابن حجر: (وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ 

اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ) .

قال بعض الصالحين: (كانوا يعظِّمون ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخير من رمضان، والعشرَ الأوَّل من ذي الحِجَّة، والعشرَ الأوَّل من المحرم) .

 فيا أيُّها الإخوة:

نحن قادمون إلى موسمٍ يحبُّه اللهُ، ويحبُّ إقبالَنَا عليه فيه، فيه تتضاعفُ الأجورُ

، وتزدادُ البركاتُ، وتُملأُ القلوبُ والأيادي بالعطيات، فمهما استطاع أحدُكم أن

يغتنمَ الطَّاعاتِ فليفعلْ؛ صيامُ النهار، وقيامُ الليل، وكثرةُ الصدقات، والانشغالُ

بذِكْرِ الله تعالى، وقضاءُ حاجاتِ الخَلْقِ تقرُّباً إلى الله، وبرُّ الوالدين، وصلةُ الأرحام، لعلَّ اللهَ يشملُنا بما يَعمُّ به حجاجَ بيتِه الحرام من النفحات والعطايا والبركات .

اللّهمَ أوصلْ حجَّاجَ بيتِك الحرام إلى المشاعر سالمين غانمين، ورُدَّهم إلى أهليهم

 مأجورين مبرورين، وأشركنا معهم في الأجر يا أكرم الأكرمين، وعَجّلْ للمسلمين بالفرج واجعله محفوفاً بألطافك .

 

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1528
تحميل ملفات
فيديو مصور