الخميس 04 ربيع الأول 1442 - 22 أكتوبر 2020 , آخر تحديث : 2020-07-13 11:00:41 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-08-21 الساعة 11:08:57
تربية أبناء التاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين - 2 -
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

  عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]

قال سيدنا عليّ رضي الله عنه: قوا أهليكم نَارًا علّموهم وأدّبوهم.

أخرج الترمذي بإسناد مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ».

 بإسناد مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ).

أيها الإخوة:

 الحياة الزوجية محراب من محاريب العبادة، وتربية الأبناء باب من أبواب

القرب إلى الله تعالى، ولهذا جاءت سلسلة– تربية الأبناء- لعلنا نفيد منها جميعا في زيادة قربنا إلى الله ببرنا بأبنائنا ورعايتنا لهم.

عنوان خطبة اليوم:  تربية أبناء التاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين (2)

وتتحدث خطبة اليوم عن أهم مخاطر المرحلة

أقول: أهم مخاطر المرحلة وقت الفراغ.

أيها الإخوة:

 يداوم الطالب في مدارسنا خلال العام سبعاً وستين ومائة يوم، ويُعطل مائتي

يوم، أي أن نسبة أيام العمل أقل من 46%، ويُداوم الطالب الجامعي أقل من هذه الأيام، بينما يُداوم الموظف في الدوائر الرسمية ستاً وأربعين ومائتي يوم بينما يُعطل مائة وعشرين يوماً؛ أي أن نسبة أيام العمل 67%.

كل هذا إذا التزم الطالب أو العامل بالدوام من دون غياب مبرر أو غير مبرر، علماً أن الطالب يُداوم ست ساعات يومياً على الأكثر من أصل أربع وعشرين ساعة والموظف ثمان ساعات.

وبإمكانكم بعد هذه الأرقام البسيطة أن تتخيلوا حجم وقت الفراغ الموجود عندنا

عامة وعند شبابنا خاصة، الأمر الذي حدا ببعض المفكرين إلى القول: (إن

ساعات الفراغ أقوى في حياة الإنسان من ساعات العمل، وإن وقت الفراغ هو

فن هندسة بناء الشخصية الإنسانية).  وقد قرأت لسقراط قولته: (إن وقت

الفراغ لهو أثمن ما نَملك)، وقرأت لبعض الأدباء يقول: (أخبرني كيف تقضي وقت فراغك أخبرك عن طباعك وأخلاقك).

أيها الإخوة:

إن أخطر ما يتعرض له المرء عموماً والشباب خصوصاً أوقات الفراغ التي لا

تستثمر في الخير، فنفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، والحشرات

الضارة إنما تنخر في البناء وتَنسَلُّ من بين الفراغات. ووقت الفراغ الذي يُمكنك

فيه تحصيل الكثير من النفع من الممكن أن يتحول إلى هادم لكل بناء رفعته. 

 بين يدي دراسة أكاديمية أنصحكم بمراجعتها عنوانها: ( الشباب وأوقات  

 الفراغ) للدكتور عثمان سيد أحمد محمد خليل، وسأتخير لكم منها في خطبة اليوم ما أراه مناسباً للحال والمقام: يقول المؤلف:

 ( من أخطر إفرازات حضارة المادة والصناعة والتكنلوجيا، وسيادة مفاهيم

الإشباع المظهري الخارجي للمتطلبات الغريزية المادية ذلك الأخدود الخطير الذي يفصم الممارسة الحياتية للأفراد والجماعات، والمتمثل فيما يطلق عليه الفراغ عند كافة البشر الكبار والصغار، النساء والرجال، الأغنياء المتقدمون والفقراء المتخلفون- حسب تقسيمات الحضارة المادية السائدة ومفاهيمها-.

إن الفراغ إفراز لصيق تماماً بأسس الفكر الفلسفي الوضعي المادي الذي عمل

  على تجريد هذا المخلوق السامي  -الإنسان- تجريداً أحاله جسداً هيكلاً، كلُّ وظيفته في حياة الإنسان أن يحقق الإشباع والرفاهية –بهذا المفهوم-  أما

 الجانب الروحي القيمي المعنوي، وأما حكمة الوجود في هذه الحياة الدنيا – دار

العبور للحقيقة الباقية الخالدة- هذه الحكمة وكل ما تقوم عليه من أصول عقدية

إيمانية، فهي هنا تغيب تماماً ضمن نفي العلمانية للدين وللروح وللغيب وللحياة الأخرى الأبقى لهذا الإنسان .

يرى الإسلام أن العمر الإنساني أقصر كثيراً من  أن يُمكن الإنسان من أداء

رسالته الكبرى ديناً ودنيا، وهذا ما يتجه إليه الفكر  الإصلاحي الآن في أوروبا

 ذاتها، خاصة  والعالم يمر الآن بعصر تتهاوى فيه المقولات القديمة عن العطالة والفراغ بمنظورها الوضعي.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [البخاري]

 وفي الوضع التربوي الطبيعي يجب أن لايكون هنالك فراغ في هذا العمر القصير بين حدي الميلاد والموت، فوجود الفراغ كمشكلة  في مجتمعاتنا العربية

والإسلامية استطراد خطير يهدم كل حكمة الوجود،  ويُشكل تهديداً لأمتنا في مرحلة التيه الفكري والحضاري التي تَمر بها الآن.

ولقيمة الوقت أقسم رب العزة والجلال به، فقال عز من قائل: {وَالضُّحَى (1)

وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) } [الضحى: 1 - 3] وقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي

خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

 (3)} [العصر: 1 - 3] والعصر هو الزمان، قال ابن القيم: (والعصر هو الدهر، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر وهو زمان أفعال الإنسان).

ومن ثم ندب الشرع للمسلمين الغيرة على فوات الوقت والأعمال، فالوقت أعز

 شيء على المسلم يَغار عليه أن ينقضي دون أن يؤدي عملاً، فإن فاته وقت فلا سبيل لتداركه ولذلك يُقال: (الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك)، والوقت مُنقض

بذاته، مُنصرم بنفسه، فمن غَفَل عن نفسه تصرَّمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسرته، فكيف حاله إذا علم عند تحقيق الفوت مقدر ما أضاع وطلب

  الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع، وطلب تناول الفائت، وكيف يُرد الأمس في اليوم الجديد؟

 وروى عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي ).

وقال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ( إن الليل والنهار يعملان فيك فأعمل فيهما).

وقال الحسن البصري رحمه الله:( يا ابن أدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك)، وقال أيضاً: (أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم)

لقد جاء الإسلام بمقياس دقيق من الله عز وجل يذِّكر كل مؤمن بمسؤوليته عن

كل لحظة من العمر، أو درهم من المال، أو موقع من الأرض يشغله، وهذه

العناصر هي نفسها التي تبني الحضارات أو تهدمها، وتقيم الدول أو تزلزلها.....  

  إن مأكل الشباب اليوم مما لا يزرعون ومَلبسُهم مما لا يَنسجُون ومركبهم مما لا

 يَصنعون ودفاع أمتهم عن نفسها بسلاح لا تنتجه ولا تطوره، إن الأمة العربية

والإسلامية في أمس الحاجة إلى بث روح جديدة في صدور أبنائها لتسخير

طاقات الأوقات الفارغة المُبددة لتدبير متطلبات كثيرة، وإن ملايين

ساعات الفراغ تضيع من أوقات الجميع خاصة الشباب في العالم العربي والإسلامي.

 وفي دراسة أجراها مجموعة من الأساتذة بجامعة الملك عبد العزيز بجدة حول

   أوقات فراغ الشباب، توصلت إلى أن نسبة كبيرة من الشباب لديها

ساعات

 فراغ يومية مقدارها أربع ساعات تزداد إلى أكثر من سبع ساعات في إجازات نهاية الأسبوع).

أيها الإخوة أيها الشباب أيتها الفتيات:

في كتب تربية الكبار وصناعة القدوة يجعلون هذا الكبير القدوة يُراقب وقته إلى

أدق التفاصيل، فيقولون مثلاً: إن رجلاً عاش عمراً متوسطاً - ليكن ستين- هذا الرجل يقضي في النوم 20 سنة ويقضي على مائدة الطعام أربع سنوات, ويقضي

في الحمام ستة أشهر, ويقضي في متابعة التلفاز عشرة سنوات، ويقضي في

 ضغط أرقام الهاتف شهراً واحداً, ويقضي في الانتظار عند الحلاق شهراً واحداً، ويقضي في ربط حذائه 8 أيام.

ويقولون له: إنك إذا فَرَّغْتَ ساعة واحدة من وقتك كلَّ يوم فخلال سنة بإمكانك

أن تجمع (365) ساعة وهذه تكفي لتنسيق حديقةٍ جميلةٍ في منطقة سكنك, أو

للحصول على دبلوم في إحدى الاختصاصات الأدبية, أو لحفظ القرآن الكريم كاملاً, أو لتعلم لغة أجنبية جديدة.

والآن سأعرض لكم -أيها الإخوة- نماذج من اهتمام الرجال الكبار, والناس القدوات بأوقاتهم:

1- الإمام محمد بن جرير الطبري: أبو جعفر من وفيات 310ﻫ مفسرٌ, محدث,

   فقيه, أصولي, مقرئ, مؤرخ, لغوي, أديب, محقق, مدقق.

هو شيخ المفسرين بالمأثور, له كتاب تفسير مؤلف من ثلاثين مجلدة، لا يوجد

عالم يرتقي منبراً, أو خطيب يعلو منصة, أو باحثٌ يسجّل بحثاً- يريدون أن

يتناولوا تفسير آية بشكل علمي دقيق- إلا وينبغي لهم العودة إلى كتابه ذاك "جامع البيان" الذي قال العلماء فيه: (لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصِّل تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيراً).

وله كتابٌ مثله في التاريخ معروفٌ عند العلماء اسمه "تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والأمم" جاء في عشرة مجلدات.

وله كتاب في الحديث مات عنه ولم يتمه لم يُرَ سواه في معناه، ويُقْسمُ المحدثون بأنه لو أتمه لما وُجِدَ في كتب الحديث كتابٌ مثله.

ابن جرير هذا عندما دونوا لنا سيرته قالوا: ما أُثِر عنه أنه أضاع دقيقة من حياته في غير الإفادة والاستفادة.

روى أحدُ تلامذته أنه كان يحضر عند أبي جعفر الطبري رحمه الله تعالى قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذُكِرَ له دعاءٌ فاستدعى محبرة وصحيفةً فكتبه, فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان أن لا يضيع وقته, وألا يدع اقتباس العلم حتى الممات، إنه استثمار الوقت الذي يرفع قيمةَ الرجال.

2- الإمام علاء الدين ابن النفيس: الطبيب المسلم المشهور, مكتشفُ الدورة

الدموية,

هو من وفيات القرن السابع الهجري، ومازالت كتُبنا ورجالنا يفخرون به وبأعماله، وتسمى باسمه المشافي, والمراكزُ الطبية, والندوات العلمية, والمؤتمرات العالية!

 تـُرى هل ستكون مثله - أيها الشاب المسلم - يوماً ما، فبعد وفاتك بسبع مائة

 عام نسمع اسمك يُذْكَرُ في الأرض وفي السماء؟ أم أنك اكتفيت من حياتك بطعامك وشرابك, وشهواتك ولذائذك؟

قالوا عن ابن النفيس: كان إذا أراد التأليف والتصنيف، تُوضع له الأقلام مبريّةً،

ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاءً من خاطره، ويكتب مثل

السيل إذا انحدر, فإذا كَلَّ القلم وحفي رمى به وتناول غيره لئلاَّ يَضِيعَ عليه الزمان في بري الأقلام.

دخلَ مرة الحمام ليغتسل، وبينما كان يغتسل خرج إلى مكان نـزع الملابس

 وارتدائها ودعا بدواة وقلم وورق، وكتبَ مقالةً في النبض إلى أن أنهاها، ثم عاد وأكمل اغتساله.

 نعم -أيها الإخوة-، هكذا يستفيد هؤلاء الكبار من أوقاتهم فَتُسَجَّلُ أسماؤهم, ويعلو ذكرهم.

 وبهذا عَلَت أمتنُا وسادت, وإن مما يؤسف أن نرى بعض شبابنا اليوم يقضون

  في الأزقة على قارعة الطريق ساعات وساعات كأنهم أعمدة كهرباء, أو خشُبٌ مُسنَّدة، وأمتهم ودينهم بحاجة لوقتهم.

 إن مما يحزن أن تتدرب بناتُنا على المكث أمام محطات الغناء والرقص  

 والميوعة ساعات وساعات يُدَخِّنَّ ويؤركلن, وأمتهنَّ ودينهنَّ بحاجة لوقتهنَّ.

 إن مما يدمي القلب أن تتحول السنوات الأخيرة في أعمار كبار رجالنا إلى سنوات

   تُمضَى وراء الطاولة في المقاهي العامة والخاصة, وأمتهم ودينهم بحاجة لوقتهم.

 عبدي كَبِرْتَ سنُك، وشاب شعرك, وانحنى ظهرك، فاستحِ مني فأنا أستحي منك.

وقال حكيم: (من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو امجد أثَّله- أي

  ورثَّه- أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم إقتبسه، فقد عقَّ يومه وظلم نفسه )  [ القرضاوي 1414]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن مما يلحق المؤمن من علمه

 وحسناته بعد موته علمٌ علَّمه ونشره, أو ولد صالح تركه, أو مصحف ورّثه,أو

 مسجد بناه, أو بيت لابن السبيل، أو نهر أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في

 صحته وحياته» ابن ماجه، فشدوا عزمكم أيها الشباب واسموا بهممكم لتملؤوا وقت الفراغ بكل نافع ومفيد.

دقّاتُ قلب المرء قائلةٌ له

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

 

إن الحياة دقائق وثوانِ

 فالذكر للإنسان عُمَرٌ ثانِ

في ختام هذه الخطبة, المطلوب منك مع وقت الفراغ ربعة أمور:

1- لا تستخدم وقتك فيما يضر، سواء في دنياك أو في آخرتك.

2- استخدم وقتك فيما ينفعك وينفع أمتك, فإما عمل يفيد دنياك أو عمل يفيد آخرتك.

3- استرِح والهُ والعب باعتدال واتـزان، كالملح في الطعام، لتعود إلى العمل والاجتهاد. فقد قال صلى الله عليه وسلم: « الهو والعبوا فإني أكره أن يرى في دينكم غِلظَة» [ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان]

4- ضع برنامجاً لأعمالك, ضع برنامجاً يومياً، برنامجاً أسبوعياً، خطةً شهرية، خطة سنوية، خطة خمسية، وإن استطعت فخطة خمسينية, ثم حاسب نفسك على ما قمت به من هذه الخطط والبرامج.

قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإمامُ رَاعٍ، ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، والرجلُ رَاعٍ في أهله، وهو مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأَةُ في بَيْتِ زَوجِها رَاعيةٌ، وهي مَسؤولَةٌ عن رَعيَّتِها،...والرجلُ في مالِ أبيهِ راعٍ، ومَسْؤولٌ عن رعيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» البخاري ومسلم.

والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 934
تحميل ملفات
فيديو مصور