الاثنين 11 ذو الحجة 1445 - 17 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-15 13:24:40 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-07-17 الساعة 09:52:25
تربية أبناء السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

 قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

  عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]

قال سيدنا عليّ رضي الله عنه: قوا أهليكم نَارًا علّموهم وأدّبوهم.

أخرج الترمذي بإسناد مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ».

أيها الإخوة:

الحياة الزوجية محراب من محاريب العبادة، وتربية الأبناء باب من أبواب القرب إلى

الله تعالى، ولهذا جاءت سلسلة– تربية الأبناء- لعلنا نفيد منها جميعا في زيادة قربنا إلى الله ببرنا بأبنائنا ورعايتنا لهم.

ونحن اليوم في الخطبة الحادية والعشرين منها؛

عنوان خطبة اليوم: تربية أبناء السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة (1)

تتحدث خطبة اليوم عن أهم احتياجات المرحلة.

إني وجدت أهم احتياجات هذه المرحلة هي الحاجة إلى تكوين الصداقات، إذ إن المراهق في هذه السن مُحتاج إلى الانتماء ومحتاج إلى الحب والأمان، ومُحتاج إلى

الاحترام والتقدير، ومُحتاج إلى إثبات الذات، ومُحتاج إلى المكانة ومُحتاج إلى الترويح والترفيه، وكل هذه الاحتياجات تؤمنها له جماعة الأصحاب.

يتحدث الدكتور إبراهيم وجيه محمود المتخصص في العلوم النفسية والتربوية في كتابه النافع    (المراهقة: خصائصها ومشكلاتها) عن النمو الاجتماعي كواحد من خصائص مرحلة المراهقة يقول

 -بتصرف-:( يضطرد النمو الاجتماعي للطفل منذ ولادته فيرتبط في السنوات الأولى

 بالأم ...ثم تتسع دائرته الاجتماعية ليرتبط بجميع أفراد الأسرة ..... ثم ينتقل  إلى

 الأقارب وأبناء الجيران الذين يلعب معهم ويلهو ...إلا أن هذه العلاقات

 جميعها تكون داخل الدائرة الاجتماعية التي تُمثل الأسرة وارتباطاتها، ولا يخرج

 الطفل عن هذه الدائرة ليكون لنفسه ارتباطات خاصة خارج نطاق الأسرة إلا في

 فترة المراهقة.

 فيبدأ بتكوين علاقات تربطه بغيره من المراهقين والشبان ويشتد ارتباطه

 بجماعات معينة منهم ويزداد ولاؤه لهم، وتكون هذه العلاقات في العادة على

 حساب ارتباطه بالأسرة إذ يشعر بالأمن والراحة مع أصحابه ويروي حاجته

 للانتماء وللاحترام والتقدير معهم خاصة عندما يكون زعيماً في جماعة الأصحاب

 أو مسؤولاً عن دور معين يقدمه لهم، فيثبت من خلالهم ذاته ويحقق مكانته،

 بالإضافة إلى ترويحه عن نفسه مع أصحابه وقضاء وقت التسلية والترفيه

 والفراغ معهم.

ولا يتقبل عدد من الآباء هذا التغير في النمو الاجتماعي لولدهم فيرونه خروجاً عنهم وتمرداً عليهم وعلى علاقاتهم الأسرية، وربما واجهوا هذا النمو الطبيعي بالقسوة والشدة الأمر الذي يؤدي في جنوح الابن أو كبته، وكلا الأمرين خطير).

أيها الآباء أيها الشباب:

نعلم جميعاً أهمية الصاحب في تكوين اتجاهات المرء وسلوكه، وإنكم لتسمعون مني قولتي: كلمة السر في صلاح الصالحين وفساد الفاسدين الصاحب.

إني لا أعلم حافظاً للقرآن إلا والذي دعاه لحفظه حبُّه لأصحابه أهل القرآن، ولا أعلم

 مت فوقاً في دراسة إلا والذي دعاه للتفوق تنافسُه مع أصحابه المتفوقين، وبالمقابل لا أعلم مدخناً إلا وقد تعلم التدخين من صاحبه، ولا سمعت عن مجرم إلا وقد دله على الإجرام صديقه وأعانه عليه.

 إن مسألة الصحبة والصداقة خطيرة جدا في التربية، ومن أجل هذا كان أشرفَ لقب 

 في الإسلام بعد لقب النبوة الصاحب. فلو أعطيت سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه

 الدنيا وما عليها لما رضي أن يتنازل عن لقب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

– وحق له ذلك-، وقل مثل ذلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعهم، إن الذي رفعهم في الدنيا والآخرة إنما هي الصحبة، ومن هنا تجدون أهل التربية

 الروحية مجمعون على أهمية الصحبة والصداقة للصالحين في تربية المريد،

ويسمونها الأخوة في الله؛ وكما أنك لا تجني من الشوك العنب فمحال أن تجني من صحبة الفجار الصلاح.

أيها الآباء أيها الشباب:

إني لأعلم أنه يُشق عليك أن تغرس في قلب ابنك أو في قلبك محبة فلان الصالح

 ليكون يوما ما مثله، والتعلق بفلان الناجح ليكون يوماً ما ناجحاً كنجاحه، والميل

 لفلان المتميز بعلمه وخلقه ليسير على سيره، ويشق عليك أن تغرس في قلب ابنك أو

 في قلبك بغض عمل فلان الشرير لكي لا يعمل عمله، والنفور من تصرف فلان الفاجر لكي لا يتصرف تصرفه .

 نعم إنه يُشق عليَّ وعليك فعل ذلك إذ القلوب بيد الرحمن،  ولكننا نستطيع وتستطيع

  أن تكثر من الاجتماع مع جماعة الصالحين وجماعة الناحجين وجماعة المؤدبين لعل

القلب يعلق والنفس تحب، وتستطيع أن تحجب أو تقلل الاجتماع مع جماعة الأشرار

والفجار والسيئين فتمنع القلب من التعلق بأحدهم إذ كيف يعلق القلب بمن لا يعرف أصلا.

 ومن هنا عقد الإمام النووي في كتابه الشهير رياض الصالحين بابا عنونه بقوله:

(باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم

 وزيارة المواضع الفاضلة)، وذكر فيه خمسة عشر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل زيارة الصالحين ومحبتهم وفائدة صحبتهم، منها:

 حديث أَبي هريرة رضي اللَّه عنه عن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخاً

 لَهُ في قَريَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصد اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَدْرجَتِهِ ملَكاً، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْن تُريدُ؟

 قَالَ: أُرِيدُ أَخاً لي في هذِهِ الْقَرْيةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ علَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: لا، غَيْر أَنِّي أَحْببْتُهُ في اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَإِنِّي رَسُول اللَّهِ إِلَيْكَ بأَنَّ اللَّه قَدْ أَحبَّكَ كَما أَحْببْتَهُ فِيهِ" [رواه مسلم].

وحديث أَبي موسى الأَشعَرِيِّ رضيَ اللَّهُ عنه أَن النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ. كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ، إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحاً طيِّبةً. ونَافخُ الكيرِ إِمَّا أَن يحْرِقَ ثيابَكَ وإمَّا أنْ تجِدَ مِنْهُ رِيحاً مُنْتِنَةً" [متفقٌ عَلَيهِ].

وحديث أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللَّه عنه، عن النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "لا تُصَاحبْ إِلاَّ مُؤْمِناً، وَلاَ يَأْكُلْ طعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ".]رواه أَبُو داود، والترمذي بإِسْنَادٍ لا بأْس بِهِ[.

وحديث أَبي موسى الأَشْعَرِيِّ رضي اللَّهُ عنه أَن النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ". [مُتَّفَقٌ عَلَيهِ].

 

أيها الإخوة:

ينفع في ربط ابن هذه المرحلة بصحبة صالحين الأمور الآتية (من كتاب كيف تربي ابنك للدكتور حسان شمسي باشا بتصرف):

1-  اختر السكن المناسب الذي تجاوره أسر تحرص على صلاح أبنائها، فربما اختار

    المراهق أصحابه من أهل بنائه وجيران حيه.

2-  اختر المدرسة المناسبة أخلاقياً من حيث معلموها وطلابها وإدارتها. فكثيراً

   ما يختار المراهق أصحابه من طلاب مدرسته

3-  اصطحب ابنك إلى مجالس العلم والذكر وأشركه في دورات القرآن و

    الحديث والتربية، فربما اختار ابنك أصحابه منهم فيا طوبى له ولك.

4-  احذر ما استطعت من النوادي والمقاهي والأسواق والملاهي التي يكثر

     فيها البطالون كيلا يعلق القلب بواحد من أهلها.

5-  زر مع ابنك أهل الصلاح والعلم والفضل والادب، فلعل قلبه يعلق بواحد من

    هؤلاء فيمشي على منواله.

6-  أكرم أصدقاء ابنك وحثه على دعوتهم إلى منزلك في المناسبات للتعرف

   عليهم وتقيم علاقة طيبة معهم. وأظهر احترامك لابنك أمامهم واحترامك لهم أمامه.

7-  قد يخطئ ابنك في اختيار صديق فتابعه متابعة غير مباشرة، وقدم له التوجيه

   في الأوقات التي يكون فيها مسرورا منك، وكرر الحوار والنقاش الهادئ

   معه ليكتشف نقاط السوء في صاحبه ويقرر بنفسه تركه. فهو يحتاج إلى توجيهك

   لا إلى تدخلك.

أيها الآباء أيها الابناء:

أهم احتياجات الابن في سن السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة الحاجة إلى تكوين الصداقات. فلتكن صداقةً تذهب به إلى الجنة فإن المرء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكمْ مَنْ يُخَالِلُ.

قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإمامُ رَاعٍ، ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، والرجلُ رَاعٍ في أهله، وهو مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأَةُ في بَيْتِ زَوجِها رَاعيةٌ، وهي مَسؤولَةٌ عن رَعيَّتِها،...والرجلُ في مالِ أبيهِ راعٍ، ومَسْؤولٌ عن رعيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» البخاري ومسلم.     والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1561
تحميل ملفات
فيديو مصور