الخميس 04 ربيع الأول 1442 - 22 أكتوبر 2020 , آخر تحديث : 2020-07-13 11:00:41 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-07-11 الساعة 10:54:03
مشـاورة ومـدارسـة
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 قال تعالى في سورة الشورى في وصف المؤمنين:{ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا

 لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }.

 وقال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ

 لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا

 عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران].

 أخرج الطبراني في الأوسط عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى

 اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ ,وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ , وَلَا عالَ

                         مَنِ اقْتَصَدَ»

عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: وَاللَّهِ مَا اسْتَشَار قَومٌ قَطُ إِلَّا هُدُوا لأفضَلِ مَا بَحَضْرَتِهم،

                  ثُمَّ تلا {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}

 وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه َقَالَ

   النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ المُستَشَارَ مُؤتَمَنٌ)

عنوان خطبة اليوم: مشاورة ومدارسة

 أيها الإخوة الكرام:

 كل عام وأنتم بخير، أعاد الله هذه الأيام عليكم أعواماً عديدة وسنين

 مديدة مع سلامة الدين والبدن وأمان الأسرة والوطن، وعجل للشام

  بالفرج ولسائر بلاد المسلمين، بل لعباد الله أجمعين.

 تقبل الله صيامكم وقيامكم وصدقاتكم ومجالس علمكم وأذكاركم.

 أكرمنا الله بالصيام في رمضان وأعاننا عليه فالحمد لله،  وأكرمنا

 بالقيام وأعاننا عليه فالحمد لله.

 وتزاحمت مساجدنا بحلق العلم وحلق الذكر وحلق القرآن فالحمد لله،

 وتسابقت جمعياتنا الخيرية ببر المحتاجين والمتضررين فالحمد لله.

 كل هذا استجابةٌ لأمر الله {كتب عليكم الصيام } فقُلنا له بأعمالنا

 لبيك اللهم لبيك، واستجابةٌ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 «من صام رمضان إيمانا واحتسابا...» [البخاري ومسلم]

 «من قام رمضان إيمانا واحتسابا...{ البخاري ومسلم }

 وبين يدي الآن موضوع مهم جداً، أريد مشاورتَكم فيه وأضعُه بين

 أيديكم للمُدارسة، وسأبسط مادته في خطبة اليوم وأتركُكُم معها

  يومين أو ثلاثة لأسمع آراءكم فيها يوم الأثنين المقبل بإذن الله في

     درس
    لأثنين بين المغرب والعشاء، وربما أحب أحدكم أن يكتب لي رسالة

  ورقية أو الكترونية ففي كلٍّ خير، وربما راسلنا بآرائهم الإخوةُ

  والأخواتُ الذين يستمعون الخطب على الشابكة.

      المسألة تقول:

  لفتني في رمضان – كما رمضان الماضي- تزاحمُ الناس في صلاة    التراويح عامة وفي إحياء ليالي العشر خاصة وفي ليلة القدر على
أخص الخصوص للوصول إلى المساجد والحمد لله. رأيتم هذا في مسجدنا وفي المساجد المجاورة وفي المساجد القريبة والبعيدة.إنه لمظهر سار عندما ترى الغانم من رجالنا وشبابنا من يتناول
مسرعاً لقُيمات عند المغرب ثم يُسرع إلى المسجد ليكون في صفوفه الأولى

أوفي حرمه أو في باحته. وربما تأخر قليلاً فصلى على العَتبات، وفي

 ليالي الإحياء تجده ساجداً على الرصيف وربما على اسفلت الشوارع

إذ لم يتح له غير هذا ولم يحمل بيده سجادته.   يناجي ربه:

 

على أبوابكم عبدٌ ذليلُ

له أسفٌ على ما كان منه

يمدُ اليكم كفَ افتقارٍ 

يرى الأحباب قد وردوا 

أكون نزيلكم ويضامُ قلبي 

كثيرُ الشوقِ ناصرهُ قليل

وحزنٌ من معاصيه طويلُ

ودمعُ العينِ منهَملٌ يسيلُ

وليس له إلى وردٍ سبيلُ

وحاشا أن يُضامَ لكم نزيلُ

 
هذا هو حال كثير من رجالنا وشبابنا في ليالي رمضان والحمد لله.

 وقل مثل ذلك في فتياتنا ونسائنا فقد كن يتزاحمن وربما زاحمن الرجال

 على مجالس القيام والدعاء والختم، وإن كان لا يُرضينا خروجُ بعضِهن

 وحيدات في ساعات الليل المتأخر من دون زوج أو محرم. لكن المسألة

 الآن في الإقبال الكبير -ولله الحمد- على الطاعات في رمضان للرجال

 والنساء.

  كنت ترى الشاب يغسل وجهه بدموعه، وكنت تسمع أنين الشيخ و

نَحيب الرجل بين يدي الله خشوعاً وخضوعاً وانكساراً. وفي هذا ما

فيه من الخير والبركة  على البلاد والعباد، ولعل الله يُخفف عنا ويرفع من البلاء

 ما يرفع بأمثال هذه المجالس والمساجد والدعوات، وبأمثال هؤلاء

 الشباب والفتيات.

 كل هذا يجري في المساجد والجوامع ويجري أضعافُ أضعاف أضعافه

 في البيوت والمنازل ولله الحمد.

 فهذا الذي يُحيي الليل في غرفته الخاصة، وهذا الذي يجمع أهله على

 صلاة الليل والتراويح، وتلك التي رقت أوراق مصحفها لكثرت ما

 تناولتها اليد بالتقليب، وأخرى التي بللت دموعُها سجادة صلاتها،

 وكأني بهم يرددون:

خلوتُ إليك يا ربي

فما بالي أرى ذنبي

فيا غوثاه يا غوثاه

مددت يدي فخذ بيدي

 

وقلت عساك تقبلني

وأيامي تُطاردني

ومن طول النوى أواه

إليك إليك يا رباه.

 أيها الإخوة:

 إن من بركات الشام ومن بركات رمضان على الشام ومن الظلال

 الوارفة للإسلام على الشام أمثالَ هذه المجالس والمواسم، ومهما

 حافظنا عليها وزدنا منها فسحاب برها هاطل وظلال خيرها شامل.

 ولكن المسألةَ المهمة جداً والدقيقةَ جداً، والمشورةَ التي أريدكم

لأجلهاهي الآتية:

 إذا كان هذا حالنا في عباداتنا الشعائرية فما حال عباداتنا التعاملية؟

 ما حال محافظتنا على نظافة مدينتنا وبلدنا، ما حال محافظتنا على

 النظام والالتزام بالانضباط، ما حال رعايتنا لحقوق الجار، لماذا ترى

 الشاب مصلياً ثم تراه يقيم علاقة غير مشروعة مع فتاة، لماذا نرى

 الرجل تالياً للقرآن ثم ترى لأخته حقاً معه من ميراث أبيها حبسه

عنها من عشر سنوات، لماذا ترى الفتاة الباكية في صلاة الليل

سافرة
  متعطرة مَائلة مُميلة في وضح النهار، لماذا يرتشي بعض الموظفين،

 ويغش بعض البائعين ويغدر بعض الصناعيين ويزور بعض المحامين

 ويتجرد عن التربية بعض المعلمين  ويأكل الفوائد البنكية بعض

 المسلمين، ويتاجر بالصحة بعض الأطباء ويؤذي عماله بعض

المدراء؟

 لماذا يقطع بعض الذاكرين أخته، وتسيء بعض الذاكرات لأخيها،

ويقهر

 بعض الصائمين زوجته، وتؤذي بعض الصائمات زوجها، يعق هذا

أمه وتترك هذه بنيها، لا ينفق هذا على ولده ولا يحنو هذا على أبيه؟

 إن أخشى ما أخشاه أن يتحول قيام رمضان إلى طقس رمضاني

لا علاقة له بالحياة، والأصل أن الصيام لعلكم تتقون أي تتقون النار بترك المعاصي عامة.

 إن أخشى ما أخشاه أن يتحول إحياء ليالي رمضان إلى استعراض

جميل منفصل عن واقع العيش والأصل أن الصلاة تنهى عن

الفحشاء والمنكر.

 إن أخشى ما أخشاه أن يصير للمسلم وجهان وجه للمسجد ووجه

 للحياة. أن يصيبه الفصام، ففي المسجد حال وفي الحياة حال. أن

يكون ازدواجياً يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.!

وأنتم تحفظون نصوصا ًكثيرات -أيها الإخوة- تربط العبادات بالتعاملات

، بل صار محفوظاً لديكم أن الشريعة خمسة أجزاء فالعبادات جزء

 والمعاملات المالية جزء والأحوال الشخصية والقضاء والسياسة

 الشرعية أجزاء ثلاثة، تتمم الخمسة.

 ولعلكم تذكرون أن الصحابي زيد بن أرقم تعامل يوما معاملة ربوية

 فأرسلت له السيدة عائشة مع امرأة تقول: «أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ

 اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ»

 ولعلكم تذكرون حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: « قَالَ اللَّهُ:

 ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا

 فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ »

 [البخاري]

 ولعلكم تذكرون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ

 سَأَلَتْ زَوْجَهَا طلاقاً مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»

     [الترمذي]

  و حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا فَرَضَهُ اللَّهُ

  قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ فِي الْجَنَّةِ»

  وفي مسند الإمام أحمد أِنَّ مَوْلًى لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ هَذَا الشَّهْرَ – يعني رمضان-

هَاهُنَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَقَالَ لَهُ: تَرَكْتَ

 لِأَهْلِكَ مَا يَقُوتُهُمْ هَذَا الشَّهْرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَاتْرُكْ لَهُمْ

 مَا يَقُوتُهُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كَفَى

 بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ". والآيات والأحاديث والأثار في هذا

 الباب كثيرة. أيها الإخوة:

  أنتم والحمد لله على خير، ولكني أردت أن أتدارس معكم وأتشاور

  كيف يمكننا أن نزيل هذه الازدواجية – إن صح التعبير – من حياة

  بعض المسلمين، وإني لأعلم أن هذه الأعمال غير الجيدة من مخالفة

  النظام أو ظلم المرأة أو إهمال الزوج أو أذية الجار أو نحو ذلك

   يمارسها من ليس ملتزماً بصلاة أو بصوم أو بدين أصلا، ولكن

   بعض المصلين الصائمين يفعلون.

 فكيف نستطيع أن نعين أنفسنا على أن نتحلى بتعاليم ديننا في سلوكنا

 كما نتحلى به في شعائرنا.

 ما السبب في هذه المشكلة، وما الحل المقترح لها، وكيف ننفذ هذا

 الحل؟ هذا سؤالي لكم ومدارستي معكم ومشورتي منكم.

  وإني لأعلم أن الإصلاح الاجتماعي يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير

  لي حدث، ولكن الطريق الطويل بدايته خطوة، ورجائي بالله أن يفتح

  علينا ببداية حل نتعاون عليه فيكونَ فيه خير كبير للبلاد والعباد.

 أنتظر آراءكم عبر المراسلة البريدية عبر الشابكة أو في درس الاثنين

 القادم في المسجد إن شاء الله.

 

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 903
تحميل ملفات
فيديو مصور