الخميس 06 ذو الحجة 1445 - 13 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-11 13:31:59 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-06-14 الساعة 11:13:52
الصيام والقرآن يشفعان
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

 

قال الله تعالى: قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9].

و قال الله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21].

 عن علي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ»، 

فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا  بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله،

وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ،

وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ

يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ

تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنا عَجَبا يَهْدِي إِلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا

 بِهِ} [الجن:1]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». الترمذي والبيهقي

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».   الإمام مالك

 

أيها الإخوة:

هذه مجموعة خطب خلال شهر رمضان عنوانها (الصيام والقرآن يشفعان)، تتحدث عن القرآن الكريم، الهدف منها أن نُنطلق جميعاً لنتحلق حول القرآن ،

نعتصم به ونتمسك بأوامره ونواهيه، نُحل حلاله ونُحرم حرامه، نحفظه ونحفظه أبناءنا، نتلوه ونجوده ونُرتله، نعيش معه وبه وله.

والعنوان مأخوذ من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « الصِّيَام وَالْقُرْآن يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ،

وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: رَبِّ، مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيَشْفَعَانِ » وفي رواية «فيُشَفَّعان».  مسند الإمام أحمد

وعنوان خطبة اليوم: تعريف بالقرآن

أيها الإخوة:

عرَّفَ العلماءُ القرآن بأنَّه: كلامُ الله تعالى، المنزَّلُ على نبيه محمَّد  صلى الله عليه وسلم، المنقولُ إلينا بالتَّواتر، المتَعَبَّدُ بتلاوته، المعجز ولو بسورة منه، المكتوب في المصاحفِ، المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة النَّاس.

وقولهم (المنقول بالتواتر) أي أن هذا القرآن نقله جمع عظيم غفير لا يُمكن

تواطؤهم على الكذب ولا وقوعُ الخطأ منهم، يَنقُل هذا الجمع الضخم القرآن عن  جمع مثله وهكذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يفيد العلم اليقيني القاطع بأن هذا القرآن هو كلام الله تعالى المُنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم.

وقولهم (المكتوب في المصاحف) يُشير إلى مَزية للقرآن الكريم أنه دون وحفظ

بالكتابة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان كَتبة الوحي من الصحابة الذين زادوا على العشرين يكتبون بين يديه ما أنزل الله تعالى عليه، فلم يَلحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا والقرآن محفوظ خطاً ونطقاً في

الصدور وفي السطور، قال الإمام النووي: (اعلم أن القرآن العزيز كان مكتوباً

في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: على ما هو في المصاحف اليوم ولكن لم يكن

مجموعاً في مصحف بل كان محفوظاً في صدور الرجال فكان طوائف من الصحابة يحفظونه كله وطوائف يحفظون أبعاضاً منه فلما كان زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقُتل كثير من حملة القرآن خاف موتَهم واختلاف من

بعدَهم فيه فاستشار الصحابة رضي الله عنهم في جمعه في مصحف فأشاروا

بذلك فكتبه في مصحف وجعله في بيت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها فلما

  كان في زمن عثمان رضي الله عنه وانتشر الإسلام خاف عثمان وقوع الاختلاف

 المؤدي إلى ترك شيء من القرآن أو الزيادة فيه فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة الذي أجمعت الصحابة عليه مصاحف وبعث بها إلى البلدان وأمر بإتلاف ما خالفها ).

فالقرآن الكريم كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع في زمن أبي بكر، ونسخ في زمن عثمان رضي الله عنهما.

  وأما قولهم (المتعبد بتلاوته)؛ فتلاوة القرآن عبادة يُثاب عليها المؤمن، فما

ظنك بالفهم والعمل والتعليم ، وقد ألف العلماء كتباً في فضل تلاوة القرآن وبيان عظمة ثوابها.

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه». رواه مسلم

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» رواه الترمذي

 وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال يقول سبحانه وتعالى: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما

أعطي السائلين وفضل كلام الله سبحانه وتعالى عن سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه» رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» رواه الترمذي

وإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على تلاوة القرآن في أوقات مختلفة وأزمنة متعددة وحالات متباينة.

فهو صلى الله عليه وسلم يحثهم على القراءة الجهرية والسرية، ويحثهم على

القراءة بشكل جماعي والقراءة بشكل فردي، ويحثهم على القراءة إن كانت

القراءة سهلة أو كانت على بعضهم صعبة شاقة، يدفعهم إلى القراءة في بيوتهم

 وفي مساجدهم، يحثهم على القراءة بورد يومي وأسبوعي وشهري، يحثهم على القراءة الكثيرة فإن لم يستطيعوا فالقليلة، يدعوهم لقراءة القرآن كله

ويدعوهم لقراءة سور مخصوصة أو آيات مخصوصة، يدعوهم إلى القراءة بالليل والقراءة بالنهار.

ولا تنسوا أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أميين لا يقرؤون ولا يكتبون إلا النادر منهم.

ولكنهم لما سمعوا هذه الأحاديث ولما عاشوا مع القرآن صارت لهم عادات عجيبة غريبة في تلاوة القرآن.

قال الإمام السيوطي في الإتقان: (وَقَدْ كَانَ لِلسَّلَفِ فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ عَادَاتٌ...

فمنهم من يَخْتِمُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَتْمَةً... وَيْلِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي لَيْلَتَيْنِ وَيَلِيهِ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَهُوَ حَسَنٌ.

وَكَرِهَ جَمَاعَاتٌ الْخَتْمَ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ

حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أقل من ثلاث "....

وَيَلِيهِ: مَنْ خَتَمَ فِي أَرْبَعٍ ثُمَّ فِي خَمْسٍ ثُمَّ فِي سِتٍّ ثُمَّ فِي سَبْعٍ وَهَذَا أَوْسَطُ الْأُمُورِ

وَأَحْسَنُهَا وَهُوَ فِعْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَيْلِي ذَلِكَ: مَنْ خَتَمَ فِي ثَمَانٍ ثُمَّ فِي عَشْرٍ ثُمَّ فِي شَهْرٍ ثُمَّ فِي شَهْرَيْنِ.

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: كَانَ أَقْوِيَاءُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم يقرؤون الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ وَبَعْضُهُمْ فِي شَهْرٍ وَبَعْضُهُمْ فِي شَهْرَيْنِ وَبَعْضُهُمْ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.)

روى الإمام الذهبي في كتاب "معرفة القراء الكبار": أن أبا بكر بن عياش

القارئ العلم، عند سكرات موته بكت ابنتهُ، فلمَّا أفاق من سكرات الموت، قال يا بُنيه، لِمَ تبكين؟ انظري إلى ناحية الغرفة تلك، فنظرتْ، فقال: لقد قرأتُ في هذه الناحية ثماني عشرة ألف خَتْمةٍ للقرآن الكريم!.

وإذا علمنا أن أبا بكر بن عياش عمًر قريباً من مائة سنة ووزعنا هذه الألوف من الختمات على حياته رأينا انه كان يختم يومين على التقريب.

أيها الإخوة:

أما قولهم في التعريف (المعجز ولو بسورة منه) فالقرآن معجز بجملته كما أنه

معجز بأي سورة منه ولو كانت أقصر سورة، كما أنه مُعجز في تشريعاته

ومُعجز في علومه ومُعجز في لغته، ومُعجز في كلماته وحروفه، ولنا مع إعجازه وقفات تأتي في خطبة قادمة بإذن الله.

 وحسبي أن أذكركم أن القرآن الكريم تحدى أساطين اللغة العربية أهل قريش

ومن ظاهرهم على أن يأتوا بمثله فعجزوا {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ

يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:

88]، ثم استثارهم واستنفرهم لأن يأتوا بعشر سور مثله إذ لم يستطيعوا أن

يأتوا بمثله كاملا وهو أربع عشرة ومائة سورة فعجزوا {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ

فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [يونس:

38]، ثم استفزهم وأثارهم وتحداهم  وأعطاهم المدة الكافية ودعاهم إلى أن يأتوا

بسورة واحدة من مثله، ولو كانت أقصر سورة وهي سورة إنا أعطيناك الكوثر ،

 في ثلاث آيات. فعجزوا {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ

 مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23، 24]

وهذا الإعجاز برهان قاطع على أن القرآن كلام الله تعالى وأنه الحق الذي يجب الإيمان به واتباعه والحذر من مخالفته وعصيانه.

أيها الإخوة:

إذا كان هذا تعريف مبسط للقرآن، وإذا كان أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ عزَّ وجلَّ أَهْلِينَ مِنْ النَّاس»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ الله وَخَاصَّتُهُ».

فما المطلوب منك لتلحق بأهل القرآن؟

1-  اقرأ القرآن كل يوم، واجهد أن تحفظ ما تيسر منه، فإن حفظته كله فيا

      طوبى لك.

2-  احرصْ على أن تفهمَ ما تقرأ، فإن لم تفهم معاني بعض الكلمات فَعُد

   إلى معانيها في كُتب التَّفاسير، واحضر مجلساً لتفسير القرآن الكريم؛

    لأنَّ القرآن نزل ليُقرأ ويُفهم ويُعمل به.

3-  اعملْ بشيءٍ واحدٍ -على الأقلِّ- ممَّا قرأتَهُ في كل يوم.

4-  علِّمْ غيرَكَ ما تعلمتَهُ من القرآن.

5-  قَدِّم خدمةً للقرآن الكريم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بَيْدِ اللهِ تَعَالَى، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا».

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1803
تحميل ملفات
فيديو مصور