الاثنين 18 ذو الحجة 1445 - 24 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-23 12:57:32 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2016-05-15 الساعة 09:46:57
تـربـيـة أبـنـاء الثـالثـة والـرابـعـة والخـامـسـة عـشـرة - 2 -
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال
الحمد لله، الحمد لله ثمَّ الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعين به ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فهو المهتَدِ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مُرْشِداً، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيِّدنا محمَّداً عبده ورسوله، وصفيُّه وخليله، خيرُ نبيٍّ اجتباه، وهدىً ورحمةً للعالمين أرسله، أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدِّين كلِّه ولو كَرِه الكافرون، ولو كَرِهَ المشركون، ولو كَرِهَ مَن كَرِه، اللَّهم صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم.

أمَّا بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله تعالى، وأحثُّكم وإيَّاي 

      على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ   وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم : 6]

قال سيدنا عليّ رضي الله عنه: قوا أهليكم نَارًا علّموهم وأدّبوهم.

أخرج الترمذي بإسناد مرسل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ».

عنوان خطبة اليوم: تربية أبناء الثالثة والرابعة والخامسة عشرة (2)

وهي سنوات البلوغ وبدء التكليف الشرعي وبداية المراهقة ،انتهت الخطبة الماضية إلى القول: إن المراهقة مغنم لا مغرم وإن البلوغ قوة لا هُوَّة، وتحدثكم خطبة اليوم عن أهم احتياجات المرحلة.

أقول- والله أعلم- أهم احتياجات أبناء الثالثة والرابعة والخامسة عشرة أن نفهم المرحلة التي يمرون بها وأن يفهموا أنفسهم، ولعل هذه الخطبة تساعد الطرفين على هذا الفهم.

 يقول أهل التربية: إن مرحلة المراهقة من أكثر مراحل النمو حيوية وعطاء إذا ما أحسن المربون التعامل معها واستثمارها وتوظيفها توظيفاً إيجابياً .

ويقولون: المراهقة فترة تشهد تغيرات واضحة ومتسارعة في حياة الطفل من الناحية الجسمية والنفسية ولانفعالية والعقلية والاجتماعية ، تؤدي إلى تغير في نمط سلوكه وتفاعله مع المجتمع المحيط .

وتختصر لكم الخطبة أبرز التغيرات التي تطرأ على المراهقين  وتشكل السمات العامة لشخصيتهم من كتاب (أبناؤنا في مرحلة البلوغ وما بعدها) للدكتور شحاتة محروس المتخصص في علم النفس التربوي، وإن التعرف على هذه التغيرات تساعد الآباء والأمهات على فهم أفضل لأبنائهم وتهديهم إلى التعامل الإيجابي معهم، كما أنها تساعد الفتى والفتاة على فهم أفضل لنفسه ليرقى بالنافع ويحذر الضار.

من أبرز التغيرات التي تطرأ على المراهقين  :

1- النمو المتسارع في الجسم ، من  حيث الطول والوزن مع خشونة صوت الفتى ونعومة  صوت الفتاة،  وظهور بثرات في الوجه، وبدء إفراز الغدد الجنسية في الأعضاء التناسلية ، ولعل هذا النمو الجسمي السريع يُذهب شيئاً من حيوية الفتى ونشاطه فيكثر نومه واسترخاؤه.

ومن هنا مفيد ألا نكلف الفتى بالأعمال المجهدة بل البسيطة، وإذا كلفناه بالمجهدة فلنُعنه عليها، ومفيد ألا نكثر لومه على كثرة نومه واسترخائه، مادام يحقق التزاماته في الدراسة والعمل والعبادة.

2- شدة الحياء إذ يشعر البالغ بالحياء الشديد إذا دخل عليه أحد فجأة وهو يغير ملابسه كما يخجل من شكل جسمه ويتخيل أن الناس ينظرون إليه وهو يسير في الشارع لذا نجده يهتم كثيراً بمظهره، ويقف طويلاً أمام المرآة ، وحينما يجلس مع الكبار يحار في طريقة جلسته وفي وضع يديه، ولا ريب بأن الحياء خير وهو شعبة من شعب الإيمان.

 والمتوقع منا أن ندعم حياء الفتى والفتاة فالحياء لا يأتي إلا بخير، مادام الحياء ينمي عنده فعل الخير وانطواء نفسه عن فعل القبيح، فلا يليق بأب أن يدخل غرفة ابنه في أثناء تبديله الثياب من دون استئذان، ولا يليق بأب أن يبدل ثيابه امام أبنائه، ولا يليق بأم أن تدفع ابنتها للتكشف أمام الغرباء من الأقارب والأصدقاء، ولا يصح أن يتبادل الكبار بعض الطرف الحاوية على كلمات خادشة للحياء، ولا يصح للعائلة الذهاب للمسابح التي تكشف فيها العورات ، ولا حضور الحفلات التي تدار فيها المنكرات ويختلط الذكور بالإناث إذ كل هذا يهتك حياء الفتى ويمزق جلباب الحياء عند الفتاة.

3- اهتمامه بعلاقاته مع أقرانه ، والحرص على أن تكون مثالية ، والرغبة في زيارتهم والخروج والسهر معهم ، والرغبة في دعوتهم إلى المنزل.

 ومن هنا مفيد أن نحيط الابن بمجموعات متنوعة من الصالحين في المسجد أو في المدرسة أو من الأرحام أو من الجوار؛ ليختار عدداً منهم لا من غيرهم، ومفيد جداً ان ندعو أصدقاءه إلى المنزل وأن نكرمهم ونجتهد بالتعرف عليهم وعلى ذويهم وأن نقيم علاقات جيدة معهم، تشجيعاً للفتى من جهة وتجهيزاً لحاجتنا إليهم في توجيه ابننا لو احتجنا منهم ذلك.

4- سرعة التأثر بأفكار الآخرين ، وعدم الاستقرار في الميول والآراء، فميول الفتى تتغير بسرعة كما يتغير جسمه فنراه ينتقل من نشاط إلى آخر ومن رأي إلى آخر.

 ومن هنا مفيد أن نكثر من الحوار معه فيما يحب وأن نشجعه على البوح بما يريد وأن نجتهد في الإجابة عما يسأل، وأن نزود المنزل بمكتبة علمية محببة للفتيان والفتيات، وأن نجمعه بأهل العلم النافع والعمل الصالح.

5- الانفعال الشديد وحِدَّة المزاج وردود الأفعال الحادة وسرعة الغضب؛ نتيجة التغيرات الجسمية السريعة والتغيرات في الميول السريعة ، ويكون الفتى في هذه السن شديد الحساسية ويفسر معظم ما يسمعه من الكبار على أنه موجه إليه ويشعر بالقلق من المشكلات التي تتعلق بكفاءته ويشعر أنه لم يعد محبوباً وأن العالم كله ضده .

 ومن هنا ينبغي عند نصح المراهق أن نقدم بين يدي النصح مدح لما قدم من أعمال حسنة، وأن نعبر عن حبنا له وثقتنا به، ولا يصح التعليق والسخرية من انفعاله وحدته ولا من طريقة عمله.

أخرج أبو داود عن  معاذ بن جبل رضي الله عنه : «أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ، وقال: يا مُعَاذُ، واللهِ إِني لأُحِبُّكَ، فقال: أُوصيكَ يا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ» .  واذكروا -أيها الإخوة-  أن معاذ بن جبل أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة.

6- ازدياد الإحساس بالجنس ، ويتضح ذلك من خلال اعتزاز الذكور بذكوريتهم ، وبزوغ نزعة الاعتداد بالذات وإثباتها ، وميل البنات لإضفاء  لمسات مميزة على أنوثتهن ؛ من خلال الاهتمام باللباس والحقيبة المدرسية وتسريحة الشعر ، وغير ذلك .

يقرأ بعض الفتية بعض الكتب أو يمرون على بعض المواقع الالكترونية على أمل الحصول على بعض المعلومات عن الجنس، ولعلهم يأخذون معلومات مغلوطة من الأصدقاء أو الأفلام الرخيصة، والمتوقع من الأب أن يبين لابنه بعض المسائل المتعلقة بجسم الرجل ووظيفته في الإنسال وتبين الأم لابنتها المسائل المتعلقة بالأنثى ووظيفتها في الإنجاب بما يتناسب مع عمر الفتى والفتاة، والمتوقع من الوالدين تشجيع الفتيان على مراقبة الله تعالى وعلى الإكثار من النوافل والأذكار.

7- السعي للانعزال والجلوس منفرداً بشكل متقطع ، والميل إلى الخيال ورسم عالم مثالي ، ومن هنا نجده ينقد النظام المجتمعي الذي ينتمي إلية برمته ؛ من أقارب وعائلة وقبيلة وغيره .

8- متابعة المشاهير وتتبع أخبارهم ،  ومن هنا كان مفيداً تعريف الفتى  على سير الأنبياء والصحابة وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى قادة الإصلاح في تاريخنا الإسلامي، وجمعه مع أهل العلم والتقوى والصلاح من أهل زمانه ، بزيارتهم وصلتهم وحضور مجالسهم، فلعل قلبه يعلق بواحد منهم فيعمل عمله فيلحق برتبته.

أيها الإخوة:

إن تفهم الوالدين للمرحلة المهمة التي يمر بها أبناء الثالثة والرابعة والخامسة عشرة وما بعدها من أهم احتياجات أبناء هذه المرحلة لأنها تعينهما على الطريقة الأفضل للتعامل معهم، وإن فهم أبناء هذه المرحلة لأنفسهم تعينهم على تحديد مسارهم في هذه الحياة.

 فيا أبناء الثالثة والرابعة والخامسة عشرة ، أتدرون من أنتم؟

أنتم وسائر الشباب الذين تعقد الأمم آمالها عليكم وترنو ببصرها إليكم،  وحسبكم أن الله تعالى يخاطبكم بكتابه تأتمرون بأمره وتنتهون عن نهيه، أنتم الذين قال الله تعالى فيكم { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}

أنتم الذين جاءت الآثار تخبرنا عنكم: «يقول الله عز وجل: الشاب المؤمن بقدري, الراضي بكتابي, القانع برزقي, التارك لشهوته من أجلي, هو عندي كبعض ملائكتي»

أنتم الذين كان سيدنا عمر وما أدراك ما عمر ومن عمر يجمعهم فيسترشد بآرائكم ويفيد من مبادراتكم.

 أنتم وأترابكم أخرجتم الفرنسيين من ديار الشام ، واقتلعتم الوجود البريطاني من مصر ، وأنتم فتيان الحجارة في فلسطين، وقد اكتسبتم احترام الدنيا وتقدير العالم.

 فهل علمتم أيها الفتيان من أنتم وماذا ننتظر منكم.

 

قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإمامُ رَاعٍ، ومَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، والرجلُ رَاعٍ في أهله، وهو مَسؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأَةُ في بَيْتِ زَوجِها رَاعيةٌ، وهي مَسؤولَةٌ عن رَعيَّتِها،...والرجلُ في مالِ أبيهِ راعٍ، ومَسْؤولٌ عن رعيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» البخاري ومسلم.

 والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1556
تحميل ملفات
فيديو مصور