السبت 12 رجب 1444 - 04 فبراير 2023 , آخر تحديث : 2023-01-08 13:07:12 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2018-05-02 الساعة 08:23:55
العمال .. هم ثروة الوطن
الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 11 من شعبان 1439 هـ - 27 من نيسان 2018 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى عز وجل في محكم التنزيل: )وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ( [هود: 61].

معاشر السادة: منذ أن هبط آدم وبنوه إلى الأرض وهم مُكلفون بالكدح في ثراها حتى يستطيعوا العيش، فإن أبدانهم لا تتماسك بها حرارة الحياة، ولا تواتيها قدرة الحركة إلا بوقود مُتجدد مِن الغذاء، كلما نفد منه مِقدار تبعه مقدار آخر، وهكذا يَستمر دُون انقطاع إلى أن يَنتهي الأجل، وقد أكد القرآن ذلك بقوله سبحانه: )وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ( [الأنبياء: 8]، وكل امرئ مُطالب بتحصيل هذا الطَّعام عن طريق أي عمل يُوافق مَواهبه ومَلكاته.

إنَّ يَنابيع الرزق كثيرة، بيد أن تفجيرها يَحتاج إلى مَشقة بدنية وعقلية، لا بد أن يتحملها الإنسان وهو جلد، وعندما ذرأ الله الحياة الإنسانية على ظهر هذه الأرض هَيَّأ شتى العناصر لخدمة الإنسان، ثم أمر هذا الإنسان أن يَتزود بالخير الذي ينفعه مِن هذه المصادر المتاحة، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله سبحانه: )هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ( [الملك: 15]، وقال سبحانه: )الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ ([طه: 53-54]، ووصف الأرض بأنَّها مَهد للإنسان تارة، وبأنه مُستعمر فيها، أي مِن حِكمة وجوده تَعميرها، كل ذلك يَشرح الصِّلة الوثقى بين الإنسان وبين العمل في هذه الحياة، عملاً مُتصلاً مُثمراً يتجه إليه بقلبه ولبه جميعاً، لا ليتقنه فحسب، بل ليتعرف على عظمة الخالق ويدرك فضل الله عليه، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله سبحانه: )وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ( [النحل: 81].

العمل إذاً هو وسيلة للبقاء، والوسيلة تتبع الغاية في شرفها وخِسَّتِها، فمن كَرَّس حَياته للحق والخير فعمله عبادة، وكل قَطرة عَرَق تُبذل فيه فهي آية جِهاد تُوضع في مَوازين المرء مع صَلاته وزكاته، ولما كان للعامل دور كبير في بناء الحياة وإعمارها وخِدمة الإنسانية وصيانتها، دعا الإسلام أصحاب الأموال والغنى إلى إنصاف العامل وإعطائه حقه كاملاً غير منقوص، ليس مِن الدين أن يمنح العامل راتباً دون كِفايته أو يُعطى أجراً دون مَهارته، ولو تم ذلك على أساس عَقد مُبرم بين الطَّرفين، فإن إرادة المحتاج تنقصها الحرية، ورضاه الظاهر إنما هو خُضوع المحتاج لمن يملك البَتَّ في أمره، ومِن الواجب أن يَكون الأجر المبذول مُكافئاً للجهد المقدم، حتى لا يَكون هُناك بخس ولا جَور، فإن الله نهى عِباده عن البخس والجور، حيث قال سبحانه: )وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ( [الأعراف: 85].

إنَّ إيتاء كل ذِي فضل فضله أول مَظاهر العدالة ودعائم الاستقرار في المجتمع، وللنفس البشرية حِيَلٌ شتى في الإفتيات على الآخرين ومحاولة إرضاء الله في الوقت نفسه، فقد تجد الغني يَستأجر عاملاً بعشرين ديناراً، في حين أنَّ الثَّمن الحقيقي لجهده خمسون ديناراً، ثم بعد أن يَدَّخِرَ لِنفسه الثلاثين البَاقية يتصدق بدراهم مَعدودة على الفقراء والمساكين، ويَشعر بعد العطاء الذي أسداه أنَّه رجل صالح، أرضى الله وأرضى العباد.

إنَّ أغلب كِبار الملاك ضَاعَفَ ثروته مِن هذا الطريق، وما نحسب هذا إلا ضرباً مِن أكل أموال الناس بالباطل، والتواءات السُّلوك الإنساني كثيرة، ونحن نُؤمن أنَّ الله العليم بِذات الصُّدور لا يَنطلي عليه هذا العوج، وقد تجد الثَّري مِن هؤلاء المترفين يَحتفي بِعُلماء الدين، ويَخِفُّ لاستقبالهم وإكرامهم، في الوقت الذي لا يَحبس فيه فقط حُقوق الفقراء مِن ماله، بل يَغتال حقوق العمال في معمله وأرضه، ولو أنَّه أعطى الكَادح حقه كله لَكان ذلك أجدى عليه وأرضى لربه.

لقد حَرِصَ الإسلام على أن يُصان العامل ويُضمن حقه، ويُعان العاجز ويحفظ ماء وجهه، والمجتمع الذي تساق فيه العدالة إلى طالبها والمرحمة إلى مستحقها مُجتمع تنقطع مِنه الشكاية وتسوده الطمأنينة، وكما كان الإسلام حَريصاً على حَقِّ العامل كان أيضاً حريصاً على راحة العامل، فقد كَرِهَ الإسلام استغلال العامل وإرهاقه في العمل، فقد أثبت علماء النفس أنَّ لِكل إنسان طاقة معينة يستطيع أن يُؤدي في نطاقها مَا يُكلف به مِن أعمال تأديةً حسنة، فإذا تَواصلت جُهوده ونفذت طَاقته وأدركه التَّعب فإنه يفقد السَّيطرة على أعصابه، ويَفلت منه زمام التَّفكير وتَكثر أخطاؤه، حتى يَصل إلى مرحلة يَسأم فيها مِن العمل.

والإسلام فيما افترض على الناس مِن عبادات يَرعى هذه الحقيقة، ويأبى على المؤمنين أن يَأخذهم الحماس، فَيُكلفوا أنفسهم فوق وسعها، ثم تكون العقبى أن يتأدى بهم الجهد إلى التَّعب ثم إلى الانقطاع.

إنَّ التَّعبد الحق أن يُحسن الإنسان قِياد نفسه، فلا يُجشمها ما تقبله اليوم وتنفر منه غداً، ثم ما قيمة هذا التَّشديد إذا كانت مُعاملة الإنسان لِربه صادرة عن فؤاد مُرهق وذَهن مُغلق؟! وهل يُثمر التَّعب إلا هذا؟! فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا حبل ممدود بين السَّاريتين، فقال: ((ما هذا))؟ قالوا: هذا حبل لِزَينب، فإذا فترت تَعَلَّقَت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((حُلُّوه، ليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد))، فإذا كان الله -يا سادة- قد استن لِعباده الترويح والتَّيسير في شُؤون الدين، فكيف يَرضى لهم بالإرهاق والملل في شُؤون الدُّنيا.

إنَّ الرَّاحة مِن حَقِّ البدن والنَّفس والأهل والولد، وقد أكد النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ((فإن لجسدك عليك حقاً)).

إنَّ الاستجمام مِن العمل خير وسيلة لاستئنافه بقوة أشد وعزم أَحَدّ، ولذلك قال الحكماء: ]مَن لا راحة له لا عمل له[.

ونحن اليوم بحاجة إلى أن نُحَدِّد وقتاً للعمل ووقتاً للاستجمام والتَّرفيه، فإن مِن عِللنا الموجعة الخلط بين العمل والعبث، والمزج بين الحق والباطل.

يا سادة: إنَّ القائد الخالد حافظ الأسد رحمه الله وطيب ثراه اهتم بالعلم والعمل، لأنه كان يُدرك أنَّ الأوطان تُبنى بالعرق المتصبب مِن جبين العامل، وتُبنى بالعقل النَّير الذي يَتمتع به العالم، فالعامل والعالم شريكان أساسيان في بناء الأوطان، وخدمة الأجيال والمجتمعات بالعلم والعمل، استطاع القائد الخالد أن يجعل سورية دولة حضارية رائدة على المستوى الصِّناعي والتجاري والزراعي، حتى كادت أن تَصل إلى الاكتفاء الذاتي.

واليوم وبعد مرور سبع سنوات مِن الحرب، فإنَّ اتحاد العمال في الجمهورية العربية السورية يُشَمِّر عن سواعده السَّمراء مُعلناً بدء مرحلة البناء، بناء سورية الجديدة، وعمال الجمهورية العربية السورية مَعروفون بجدهم ونشاطهم وعزيمتهم التي لا تلين، وقد كانوا في هذه السَّنوات السَّبع التي مَرَّت جنوداً مجهولين، قَدَّموا الكثير مِن الشُّهداء الأبرار وهم يقومون بواجبهم مِن أجل خِدمة الوطن والمواطن، ونحن اليوم كسوريين نحمل البندقية في يَدٍ والمعول في يَدٍ، يد تَقتلع جُذور الحقد والإرهاب، ويد تَبني وتَزرع الحب والسَّلام.

عيد العمال العالمي، هذا العِيد الذي يَزهد في تقديسه واحترامه جَمٌّ غَفير مِن النَّاس، هذا العِيد عندما تَقرأ هذا العنوان العَريض، هذا العنوان الكبير، يَجب عليك أن يُشعرك هذا العنوان بأنَّه بِدون عمل لا قيمة للحياة، وبدون عمل لا معنى للحياة، وبدون عمل لا يمكن أن تُقام الحياة، فالعمال هُمُ الأساس في هذا الكون، والعمال هم القاعدة الأساسية لهذه الحياة، والعمال هم الذين يَنبغي على البَشرية جمعاء أن تُقدسهم وأن تجلهم وأن تحبهم وأن تحترمهم، وأن تقف إلى جانبهم في السَّراء والضَّراء، وفي الشِّدة وفي الرَّخاء.

العمال هم الذين يَصنعون الحياة، العمال هم الذين يبنون الأوطان، العمال هم الذين يفنون أجسامهم وأجسادهم حتى أرواحهم، مِن أجل أن تُبنى أوطانهم، ومِن أجل أن تُبنى مجتمعاتهم، ومِن أجل أن يَخدموا الأجيال والمجتمعات، فَعِيد العمال العالمي عِيدٌ مُقدس جليل عظيم، ينبغي على المسلمين أولاً قبل غيرهم أن يُقدسوه وأن يعظموه، لأن دِينهم جاء بالعمل، ولأن دِينهم أمرهم بالعمل، ولأن دِينهم بَيَّن لهم أنَّ العمل فيه تَكمل العزة والكرامة والإباء، بدون عمل لا كرامة، بدون عمل لا حياة.

ونحن اليوم بعد الانتصارات التي يُحققها رجال الله رجال الجيش العربي السوري، وبَعد تَطهير كثير من البلدان والمدن والقرى، نجد اليوم عَجلة البناء قد بدأت، عجلة الإعمار قد بدأت تدور وتتحرك، السُّوريون اليوم جميعاً بِكافة شرائح المجتمع يَقفون في صف واحد، ويُؤكدون أنهم قادرون على إعمار هذا الوطن مِن جديد، نعم عزيمتنا لا تلين، إرادتنا لا تقهر بإذن الله جل جلاله، لأن إرادتنا مُستمدة مِن إرادة الله جل جلاله، نحن اليوم مُصممون على البناء، مُصممون على الإعمار، وكثير مِن الناس بعضهم يأسف لأن بِناءه أو بيته أو مَزرعته قد هُدمت، لا مشكلة في ذلك، نعم إذا كان البناء هُدم لا مُشكلة ما دام الوطن مَوجود، ما دام الوطن موجوداً لا مشكلة، البناء يُعاد بناءه مِن جديد، أما لو ذهب الوطن فأين تَبني، لو ذهب الوطن، لو دُمِّر الوطن، لو مُحِقَ الوطن، كما خُطِّط له، كما مُكِرَ له، كما دُبِّر له، فأين تَبني؟.

فنحن اليوم سَنبني بيوتنا مزارعنا قرانا أحياءنا مدننا بعرق جبيننا وبعرق عمالنا الطاهر، هؤلاء العمال الذين لا يَعرفون الكلل ولا الملل ولا التعب، هؤلاء العمال الذين يُقدمون كل ما يَستطيعون مِن أجل إعمار هذا الوطن الحبيب، مِن أجل إعمار قراهم ومدنهم.

ونحن اليوم بمناسبة عيد العمال العالمي نُشَمِّر عن سواعدنا أيضاً لِنَقول لِعمال الجمهورية العربية السورية: يداً بيد يا أيها العمال الشرفاء، يا أيها العمال الكرماء، يا أيها العمال الأوفياء، نبني هذا الوطن.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

 

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله, اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير، اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، ربنا آتنا مِن لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

اللهم إنا نسألك أن تنصرَ رِجالك رجال الجيش العربي السوري, وأن تكون لهم مُعيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, وأن تثبت الأرض تحت أقدامهم، وأن تُسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين، اللهم وفق القائد المؤمن والجندي الأول بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية, )سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 811
تحميل ملفات
فيديو مصور