الخميس 15 جمادى الأولى 1444 - 08 ديسمبر 2022 , آخر تحديث : 2022-11-14 13:32:43 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2017-03-12 الساعة 12:28:52
ظاهرة التشريد والتهجير
الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 11 من جمادى الآخر 1438 هـ - 10 من آذار 2017 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى جل جلاله في محكم التنزيل مخاطباً موسى عليه السلام:) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( [البقرة: 84-85].

معاشر السادة: إن أشد ما يؤلم المرء في حياته أن يُسلب ماله وينتهك عرضه ويستباح دمه على يد أبناء دينه وجلدته، وإن أكثر ما يَصدع نفس الإنسان ويبكي عينه ويكسر قلبه أن يُشرد من منزله الذي بناه بعرق جبينه، والذي نشأ وترعرع فيه مع أسرته وأولاده.

إن ظاهرة التشريد والتهجير هي سنة الفراعنة والجبابرة في كل زمان ومكان، فعندما يعجز الأقوياء والجبابرة عن مواجهة الحق بالحق فإنهم يلجؤون إلى العنف، ثم إلى التشريد، ثم إلى القتل، وإن أكثر الذين يتعرضون لهذه الآلام والمصائب هم حملة المبادئ وأصحاب المواقف النبيلة.

لقد قص علينا القرآن الكريم قصصاً كثيرة على ذلك منها قصة لوط عليه السلام، عندما وقف في وجه قومه يدعوهم إلى الشرف والعفاف والفضيلة، )وَما كانَ جَوابَ قَومِهِ إِلّا أَن قالوا أَخرِجوهُم مِن قَريَتِكُم إِنَّهُم أُناسٌ يَتَطَهَّرونَ ([الأعراف: 82], ومنها قصة شعيب عليه السلام، عندما وقف في وجه قومه يدعوهم إلى مراقبة الله في بيعهم وشرائهم، وألا يبخسوا الناس أشياءهم، فكان الرد من قومه: )لَنُخرِجَنَّكَ يا شُعَيبُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَكَ مِن قَريَتِنا أَو لَتَعودُنَّ في مِلَّتِنا ([القصص: 88], وهكذا كان موقف جميع الأقوام مع رسلهم، وإلى ذلك أشار القرآن بقوله سبحانه:) وَقالَ الَّذينَ كَفَروا لِرُسُلِهِم لَنُخرِجَنَّكُم مِن أَرضِنا أَو لَتَعودُنَّ في مِلَّتِنا ([إبراهيم: 13].

لقد حدثنا القرآن الكريم عن فرعون، عندما استنهض الهمم لمقاتلة المخالفين لأهوائه ونزواته، حيث قال سبحانه:) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ  *إِنَّ هَـؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ([الشعراء: 53-56]، أترى في هذا الأمر الفرعوني إلا السفه والجبروت؟ أترى فيه أثارة لعقل أو حق؟! لا, في هذا الطريق الجائر مشت العلاقة بين رسل الله إلى الناس وبين حُراس الضلالة والفوضى، ما أن يَدور النقاش على هذا النحو الذي رأيت حتى يَضيق المبطلون بما يَسمعون ثم يبدأ النفي والاضطهاد وتبدأ الهجرة والفرار.

إن الخبراء بأحوال المجتمعات الفاسدة يَعرفون بفطرتهم ما سيلقاه مُصلحوها مِن عناء، وقد كان ورقة بن نوفل صادق الحَدسِ، عندما قدر أن مكة سوف تتمرد على رسول الله، وتأبى مقامه فيها، وجاش في نفسه حب النجدة والانتصار للحق المستضعف، فقال: (ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك)، فتساءل النبي صلى الله عليه وسلم دهشاً: ((أومخرجي هم؟!)).

عندما تجلس إلى جوار رجل شرد من بلدته ومنزله، فإنك تسمع أزيز البكاء الذي يغلي في جوفه، لغدر الأقارب والأباعد به، وخشونَةِ الحياة التي سحقت كرامته، وأكرهته أن يتسول الإعانات من قاتليه، وكان مِن قبل أهل جاه ومنعة، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر بقوله:

فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِــــــــــدُنْيَا لَا يَــــــــدُومُ نَعِيمُهَـا ... تَقَـلُّبَ تَـــارَاتٌ بِنَــــــا وَتَصَــــــرَّفُ     

وقال بعضهم:

قُلتُ يَومَاً لِدَار قوم تفانوا... أين ســكانك العــزاز علينـــا؟
فأجابت: هنا أقـاموا قليـلاً.. ثم ساروا، ولستُ أعلم أينا

في المجتمعات العربية والإسلامية تجد أناساً يُشردهم الفقر والحرمان، وتجد آخرين تشردهم الحروب وأطماعها.

قال أحد علماء مصر رحمه الله: [كنت أسير مع صاحب لي في إحدى القرى النائية الفقيرة، حيث قرع أذني صوت غناء يَنبعث مِن بعيد، غناء صِبية يَسمرون ويلعبون، غير أن ألحان غنائهم كانت تَشق حِجاب الليل وتخترق صمته، كما يَشق الخنجر الحاد الأديم الحي، واختلج فؤادي اختلاجاً عنيفاً، إذ كانت نبرات غنائهم تَكتنفها الكآبة، وتغزو المشاعر بمزيج من الحسرة والتفجع، وأعدت انتباهي للصدى المتماوج مع هبات النسيم على صفحة المستنقع، واستطاعت أذناي أن تلتقطا مِن أبيات المقطوعة التي يَغنيها الأطفال هذه الكلمات: "غريب أبيت فين، حيران ما برتاح يوم، والراحة بتجي منين"، فقلت وأنا أهمس في نفسي: يا أولادي، لستم غرباء، إنه وطن آبائكم وأجدادكم، ومن حقكم أن تبيتوا فيه ناعمين، ولكن لعن الله مَن ظلمكم وجعل طفولتكم تنبت في هذا الهوان[.

ألا يَعتصر قلبك حرناً وألماً -أيها المسلم, أيها العربي- عندما تجد أبناء الشعوب العربية والإسلامية يُعانون الفقر والجوع والحرمان والتهجير؟! وفي المقابل تجد اليهود الصهاينة همهم الأول والأخير إيواء المشردين مِن أبنائهم، والقيام على خدمة قضاياهم؟!.

إن اليهودي الألماني "ديهيرش" أسس جمعية الاستعمار اليهودي، وذلك لتشجيع التعليم اليهودي، وتحسين أحوال معيشة اليهود المضطهدين في أوربا، وإيواء المشردين من اليهود، وكان قد رصد لذلك عشرة ملايين من الجنيهات من ماله الخاص.

وهناك يهودي آخر نزح من ألمانيا إلى فلسطين في أثناء اضطهاد "هتلر" لقومه، وكان الرجل ذا ثروة كبيرة تركها خلفه وولى هارباً، فلما تغيرت حكومة ألمانيا وعُوض اليهود عما فقدوا، أُرسلت لليهودي النازح أمواله، وكان آنئذ فقيراً يشتغل خفيراً في المستعمرات، فقال له عربي يعرفه: ]إن الثراء هبط عليك فجأة، فهل ستشتري المستعمرة كلها لتصبح مالكاً لها؟[ فقال اليهودي الخفير: ]ماذا أفعل بالمال لنفسي، إن أولادي يتعلمون بالمجان في المدرسة، وقد كبرت سني، فسأهب هذا المال كله لشؤون المستعمرة العامة، ولن أطلب من المسؤولين إلا أن يُغيروا الكلب الذي يساعدني في الحراسة فقد ضعف بصره[.

يا سادة: إن اليهود لم يبخلوا بالمال لإنجاح قضاياهم، وبلوغ مآربهم وتحقيق آمالهم، فقد عرفوا كيف يكسبونه كثيراً وفيراً، وكيف ينفقونه كثيراً وفيراً.

إن العرب والمسلمين أحوج أهل الأرض طُرَّاً إلى أن تُشخص لهم عيوبهم كي ينأوا عنها، فإن الذين يتجاهلون الحقائق ربما دفعوا ثمن هذا التجاهل اجتياح بقيتهم واستئصال شأفتهم، إذا كانت بضاعتنا الوهن والخمط والنكوص، وبضاعة أعدائنا الجرأة والأمل والحكمة، فأيانا نربح؟!.

في الخامس عشر مِن مارس من عام ألفين وإحدى عشر، أشعل الربيع العربي المشؤوم نيرانه في أراضي الجمهورية العربية السورية، حيث اشتعلت تلك النيران بأموال عربية -مع الأسف- وفي مقدمتها أموال مملكة الرمال، وانخدع كثير من الشباب الفاسدين والعاطلين ببريق الدينار والدرهم والدولار، وتفاقمت الأوضاع بعد ذلك وبدأت النيران تلتهم المخلصين والشرفاء من أبناء هذا الوطن، وتجتاح مؤسسات الدولة واقتصادها، وبدأ التهجير والتشريد والقتل، ووقع وحدث كل ذلك تحت مسمى الربيع العربي، وأين الربيع في ذلك؟ وها نحن ذا وبعد مرور ست سنوات من الحرب الطاحنة الحاقدة، نتساءل: ماذا قدم لنا الربيع العربي وثورته الملعونة؟ لقد قدم لنا الربيع العربي وثورته الماجنة التهجير والفقر والغلاء وانتشار الرذيلة وحرق الاقتصاد وتدمير الحضارة والتاريخ، وباختصار كان الربيع العربي وثورته الماجنة اغتيالاً شاملاً لكل مقومات الحياة في هذا الوطن الحبيب، ومع كل ما حدث فإننا نقول بكل جُرأة وصراحة: لعن الله ربيعكم العربي ومن كان وراءه، ولعن الله ثورتكم المزيفة ومن كان وراءها، ماذا فعلتم يا خونة، يا صهاينة، يا خدام الماسونية العالمية، يا من ادعيتم الثورة كانت هي عورة في وجوهكم، كانت عورة في تاريخكم، كانت عورة في عيون آبائكم وأمهاتكم، ماذا فعلتم بنا يا خونة ويا صهاينة، ها هي أمريكا تدخل بقواتها إلى منبج ليرتفع علم الولايات المتحدة الأمريكية فوق أرض هذا الوطن الحبيب، ماذا فعلتم بنا يا خونة، قلنا لكم: تعالوا إلى الإصلاح، القيادة قالت لكم: تعالوا إلى الإصلاح، تعالوا إلى الحوار، أبيتم لأنكم خونة، أبيتم إلا القتل والدمار والتشريد والخراب، ولكننا والله سنبقى واقفين في وجهكم، لا نخنع لإجرامكم، ولا لكفركم، ولا لعربدتكم، وسنحرر أرض هذا الوطن، وسنعيش أجمل وأجمل مما كنا نعيش فهي أرضنا وهو وطننا، وثورتكم المزيفة أنتم وهي إلى مزبلة التاريخ، هل قرأتم معنى الثورة يا خونة؟ هل قرأتم عن الثورات في التاريخ العربي والأوربي كيف كانت هي ثورات تغيير مِن حَسنٍ إلى أحسن، إلى علم إلى حضارة إلى اكتشاف إلى تقدم إلى أخلاق كريمة ونبيلة، أما أنتم فكانت ثورتكم سرقة ونهب وكذب واحتيال، وما زلتم يا خونة حتى اليوم تعزفون على وتر التضليل الإعلامي، فإننا نحن في هذا الوطن الحبيب بفضل الله نتميز بالوعي بالأخلاق بالقيم، نعرف أكاذيبكم، نعرف أنكم خدم للماسونية العالمية، نعرف أنكم خدم لليهود الصهاينة، فنحن متيقظون لكم، لا نأبه ولا نلتفت لإجرامكم، هنا سوريا هنا دمشق، بلد العروبة والإسلام، بلد الأسود، كل الحب والإجلال لرجال الله رجال الجيش العربي السوري، الذين داسوا بنعالهم ثورتكم الكاذبة المزيفة، وسحقوها تحت أقدامهم، كل الحب والإجلال لرجال الله رجال الجيش العربي السوري، وللقوات الرديفة وعلى رأسها قوات حزب الله، هذا الحزب الأبي المقاوم، الذين داسوا راياتكم الكاذبة والمزيفة والغادرة والقاتلة والمجرمة تحت نعالهم، لنقول للعالم أجمع: نحن اليوم أقوى مما كنا، وإذا هدمتم الحجر فلن تستطيعوا ولن تستطيعوا أن تهدموا قوتنا وإرادتنا وثباتنا.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

 

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير, اللهم إنا نسألك الفرج النصر القريب العاجل لهذا الوطن الحبيب, اللهم إنا نسألك أن تنصر رجالك رجال الجيش العربي السوري, وأن تكون لهم معيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, اللهم إنا نسألك أن تنصر المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله, وأن تثبت الأرض تحت أقدامهم, وأن تسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين, اللهم وفق القائد المؤمن والجندي الأول بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية, )سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1053
تحميل ملفات
فيديو مصور