الاثنين 11 محرم 1444 - 08 أغسطس 2022 , آخر تحديث : 2022-05-09 11:14:56 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2017-02-20 الساعة 12:19:20
حاجة الإنسان لتنقيب أرجاء نفسه
الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 18 من صفر 1438 هـ - 18 من تشرين الثاني 2016 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى جل جلاله في محكم التنزيل: )ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَم يَكُ مُغَيِّرًا نِعمَةً أَنعَمَها عَلى قَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم وَأَنَّ اللهَ سَميعٌ عَلِيم( [الأنفال: 53].

معاشر السادة: ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات نافذة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها، وأن يرسم السياسات القصيرة المدى والطويلة المدى ليتخلص من هذه الهِنَّات التي تزري به.

ألا تستحق نفوسنا أن نتعهد شؤونها بين الحين والحين، لنرى ما عراها من اضطراب فنزيله، وما لحقها من إثم فننقيها منه، مثلما ننقي القمامة من الساحات الطهور؟!.

إن الإنسان أحوج الخلائق إلى التنقيب في أرجاء نفسه وتعهد حياته بما يصونها من العلل والتفكك، ذلك أن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الاحتكاك بصنوف الشهوات وضروب المغرِيات، وعلى كل إنسان ساء فِعله واضطربت حاله أن يُسارع إلى رَبه متعهداً نفسه بالرعاية والتأديب، حتى يستطيع النجاة مما وقع فيه.

إن جمهور البَشر مُحتاج إلى التوبة فقلما ينجون في حياتهم مِن العثار والتخليط، وما أكثر الذين يُرديهم طيش الغرائز وضَعف الرأي وقلة التجربة واضطراب اليقين.

إن صوت الحق يَهتف في كل مكان لِيَهتدي الحائرون ويتوب المخطئون, فقد ورد في الحديث الصحيح أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: ((هل من سائل فيُعطَى؟ هل من داعٍ فيُستجاب له؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟ حتى يطلع الفجر))، وروى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي, يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي, يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة))، هذا الحديث وأمثاله جرعة تُحيي الأمل في الإرادة المخدَّرة، وتنهض العزيمة الغافية وهي خَجلى لتستأنف السير إلى الله، ولتجدد حياتها بعد ماضٍ مُلتوٍ مَهين.

لا نَدري، لماذا لا يطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق بَدل أن يُساقوا إليه بسياط مِن الرهبة؟! إن الجهل بالله وبدينه هو علَّة هذا الشعور البارد، مع أن البشر لم يجدوا أبرَّ بهم ولا أحنى عليهم من الله عز وجل، وبره وحنوه غير مشوبين بغرض ما, بل هما آثار كَماله الأعلى وذاته المنزهة.

مِن حق الله علينا أن نفعل ما يأمر به، وأن نترك ما ينهى عنه، وأن نشكر نعمته إذا أصابتنا سراء، وأن نُسلّم لحكمته ونصبر على قضائه إذا أصابتنا ضراء.

مِن حق الله علينا أن يرانا حيث يحب، وأن لا يرانا حيث يكره.

مِن حق الله علينا -ونحن نعيش فوق أرضه ونتنفس في جوه ونستظل بسمائه ونستمد محيانا من إمداده- أن نُطيعه.

مِن حق الله علينا أن نسبح بحمده، وأن نصلي له، وأن نكون عبيداً لذاته جل جلاله.

فإذا أخطأنا في حق الله أن نستغفره ونتوب إليه، ولنعلم أن البعد عن الله لا يثمر إلا علقماً، ولذلك يُخوف الله عباده عقبى هذا الاستيحاش منه والذهول عنه، قد تكون سائراً في الطريق فتقبل عليك سيارة مُسرعة، وتشعر كأنها مُوشكة على تحطيم بدنك وإتلاف حياتك، فلا ترى بُدَّاً من التماس النجاة وسرعة الهرب لتنجو بنفسك.

إن الله يُريد من عباده إذا نزلت بهم كارثة أو حلَّت بهم فاجعة أن يَلوذوا ببابه، وأن يلتمسوا النجاة على عجل عنده وحده, وإلى هذا المعنى أشار القرآن بقوله سبحانه: )فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَـهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ([الذاريات: 50-51], لذلك كان سيد العابدين محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو ربه قائلاً: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت, خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت, أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)).

لقد دعا الأنبياء أقوامهم إلى التوبة والاستغفار، لا سيما أيام المحن والشدائد والجفاف والمصائب، فإنَّ المحن والشدائد والجفاف والمصائب لا تَرتفع إلا بتوبة واستغفار، ورجوع إلى العزيز الغفار.

مِن عَجائب سيرة نوح عليه السلام أنَّه ظَل تسعة قرون ونصف يدعو قومه وهم لا يستجيبون, إن هذا الزمان الطويل يَتسع لازدهار دول وانهيارها، ونَضارة مبادئ وذُبولها، بيد أن قوم نوح ظلوا على ضلالهم لا يتوبون ولا يفكرون في توبة, فكان نوح عليه السلام يدعو قومه دائماً إلى التوبة والاستغفار، ولكن الآذان كانت صماء والقلوب مُغلقة، فما كان مِن الرجل الوثيق العزم الواسع الحلم إلا أن عاد إلى ربه يَشكوه قائلاً: )قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّـهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ([نوح: 5-10].

وهذا هود عليه السلام يُخاطب قومه قائلاً: )وَيا قَومِ استَغفِروا رَبَّكُم ثُمَّ توبوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُم وَلا تَتَوَلَّوا مُجرِمينَ( [هود: 52].

يا سادة: لقد قضت الحكمة العليا أن تُغير الظروف التي يعيش البشر فيها تغييراً يُرغم على الانتباه لما يُطلب منهم، فإن الناس إذا أَلِفوا النَّعماء قلَّ تقديرهم لها وقلَّ شكرهم لمرسليها، وقلَّ اكتراثهم بحقه وقلَّ استماعهم لرسله، ومن ثَمَّ فإن الله يسلبهم ما يطغيهم لعلهم يهتدون، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كبرياء قريش وطول صدها دعا الله عليهم فقال: ((اللهم سبعاً كسبع يوسف))، أي أرسل عليهم سبع سنين عجافاً تكسر كبرياءهم وترد إليهم صوابهم، وهذا علاج حق، فإن الذَّاهب بنفسه قد يتواضع ويعقل إذا فقد ما عزه من مال أو جاه، وفي سورة الأنعام يُقرر الله هذه السُّنة الحكيمة حيث قال سبحانه: )وَلَقَد أَرسَلنا إِلى أُمَمٍ مِن قَبلِكَ فَأَخَذناهُم بِالبَأساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعونَ( [94]، والبأساء: سوء الأوضاع الاقتصادية, والضراء: سُوء الأحوال الصِّحية, وليس أضرى بالأفراد والجماعات مِن هذين البلاءين، وجدير بمن فقد صحته وماله أن يجأر إلى الله تائباً طالباً النجدة، ومع ذلك فإن هناك شعوباً بليدة تنزل بها القواصم، فما تطلب إلى الله رفعها، وما تقف بساحته منيبة ضارعة، بل تبقى على هوايتها وضلالها, وإلى هذا الأمر الخطير أشار القرآن بقوله سبحانه: )فَلَولا إِذ جاءَهُم بَأسُنا تَضَرَّعوا وَلـكِن قَسَت قُلوبُهُم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانوا يَعمَلونَ( [الأنعام: 43], وهذا لَون خطير من مَوت القلوب وعصف الشهوات بالأمم، وقد كان المفروض أن تَرد الآلام الناس إلى بارئهم كي يحجب سخطه عنهم، فإذا أُوذوا وظلوا في عَمَاهُم فمعنى ذلك أن الفساد تغلغل في كيانهم واستبد بزمامهم.

معاشر السادة: الشِّتاء الماضي مَرَّ على منطقة الشرق الأوسط شتاءً جَافاً قَاحلاً، حرارة في النهار وبرد شديد في الليل، وقد عانت شُعوب هذه المنطقة بأسرها مِن الجفاف، الظواهر العلمية تقول: هناك احتباس حراري، ونحن نؤمن بالظواهر العلمية، لأن القرآن أقرها، ولأن الدين بينها، ولأن الدين يساندها، لكننا لا نكتفي بالقول فقط بالاحتباس الحراري، هناك احتباس للنفوس، لا تجأر إلى الله، لا تمد يديها أيضاً ضارعة إليه منيبة إليه، هناك ذنوب هناك ذنوب كثرت على وجه هذه الأرض، هذا القتل والخراب والدمار الذي نراه من المجموعات المسلحة، ومن الذين يمدهم ويمولهم، ألا يرفع الرحمة؟! ألا يرفع الغيث عن الأرض؟! حبنا لبعضنا مات، أصبحنا نشتغل ببعضنا البعض كما يقال، تركنا ربنا وعبدنا نفوسنا زيد يشتغل بعَمرو، وعَمر يَشتغل بفلان، وفلان يكتب تقريراً بفلان، وفلان يَكيد لفلان، وفلان يحسد فلاناً، هذا حالنا اليوم، أما ذنوبنا، أما ما يلمُّ بنا من مصائب ومن فواجع فكأن الأمر لا يهمنا ولا يعنينا.

وها نحن ذا على أبواب فصل الشتاء، نرجو من الله سبحانه أن يجعل هذا الفصل وهذا العام عام خير ويمن وبركة، على الوطن العربي، على الأمة العربية والإسلامية، على الجمهورية العربية السورية، ولكن هناك أمر لا بد فيه مِن أن نرجع إلى الله سبحانه، وأن نستغفره وأن نتوب إليه من جميع الذنوب، من الذنوب التي تتعلق بحق الله جل جلاله أو بحقوق العباد، هُناك ظُلم لِبعضنا البَعض، أين الرَّحمة؟ أين الأخوة؟ أين التعاطف؟ أين التراحم؟.

ألا ترون -يا سوريون- إلى جنون الأسعار الذي نَراه في هذه الأيام؟ جنون مخيف للأسعار، لماذا؟ إذا كان هناك حرب اقتصادية علينا على لقمة عيشنا، فأين رحمة التجار بنا؟ أين رحمة المقتدرين بنا؟.

يا سادة: فكيف نرجو من الله رحمةً وغيثاً وعطاءً وبركةً ونطلب منه أن يُجري نهر بردى كما كان يجري أيام الخير والعطاء والبركة، كيف نَطلب مِن الله ذلك ونَحن قد جفت قلوبنا من الرحمة، جفت قلوبنا من الأخوة، جفت قلوبنا من التعاون والتراحم والتساند، حتى جَفت مآقينا, ولله در الشاطبي عندما قال:

وَلكِنَّها عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ قَحْطُهاَ *** فَيَا ضَيْعَةَ الأَعْمَارِ تَمْشِى سَبَهْلَلَا 

فعودة إلى الله -أيها العرب, أيها المسلمون- عودة إلى أخلاقنا، عودة إلى التراحم، عَلَّ الله عز وجل أن ينظر إلينا بعين العطف والرحمة والتوفيق والرعاية, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾.

 

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــ2ــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير, اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك, ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً, اللهم لا تُهلك بلادك بذنوب السَّفاح أردوغان, اللهم لا تُهلك بلادك بذنوب الطاغية سلمان بن عبد العزيز, اللهم لا تُهلك بلادك بذنوب حُكام دويلة قطر, اللهم إنا نسألك أن تنصر رجالك رجال الجيش العربي السوري, وأن تُكون لهم معيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, اللهم إنا نَسألك أن تَنصر المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله, وأن تُسدد أهدافهم ورميهم، وأن تثبت الأرض تحت أقدامهم, اللهم إنا نسألك أن وفق القائد المؤمن والجندي الأول بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وأن تَأخُذ بيده إلى ما تُحبه وترضاه، وأن تَأخُذ بيده إلى ما تُحبه وتَرضاه، وأن تجعله بِشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية, )سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 864
تحميل ملفات
فيديو مصور