الثلاثاء 14 شوال 1445 - 23 أبريل 2024 , آخر تحديث : 2024-04-14 09:52:35 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2016-07-17 الساعة 09:01:52
أهمية الوعي والإدراك
الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 10 من شوال 1437 هـ - 15 من تموز 2016 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى جل جلاله في محكم التنزيل: )وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلّوكَ عَن سَبيلِ اللَّـهِ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن هُم إِلّا يَخرُصونَ( [الأنعام: 116].

معاشر السادة: إن الإسلام يقوم على أمرين اثنين: التعليم والتربية، فإن التعليم يتجه إلى العقل فيملؤه بأشتات من المعارف الصحيحة عن الحياة وخالق الحياة، وأما التربية فإنها تتجه إلى النفس فتتعهد غرائزها بالتقويم والتهذيب، فما كان مِن خير أبقته ونمته، وما كان مِن شر بترته أو حكمته، ولم تكن وظيفة الرسول أن يتلو على الناس آيات الله وحسب، فإن رسالته يستحيل أن تتم بجملة من الأحكام والعلوم يشحن بها عقول السامعين، كما أن البشر لا يبلغون كمالهم بالمعرفة المجردة، بل لا بد من تعهد الأجيال بالتمحيص والتجارب والابتلاء حتى يتربوا وينضجوا ويطيبوا، وذلك معنى التزكية التي قرن الله بها التلاوة في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].

إن بناء الأفراد على الأخلاق الفاضلة وبناء المجتمعات على التقاليد الشريفة ركن ركين في دين الله، والتربية كالزراعة والصناعة عمل يحتاج إلى جهد طويل، وتشترك فيه عناصر كثيرة، وليس كلاماً مُرسلاً أو خطابة حماسية.

إن التربية المنشودة ليست شيئاً سهلاً، إنها معاناة وجهد يقوم بهما المربي والمربى معاً، وتشترك في تحقيق النتيجة عناصر أخرى في مقدمتها البيت والبيئة والدولة، كما يَشترك الماء والشعاع في إنضاج الزروع والثمار، وإلى هذه المسؤولية الجليلة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه)).

إن التعليم والتربية منهما يتولد الوعي والإدراك، وإذا بحثت عن السبب وراء الخراب النفسي والعقلي الذي أصيبت به الأفراد والمجتمعات؛ تجد أن فقدان الوعي هو السبب الأكبر في ذلك.

قال أحد علماء مصر رحمه الله: "رأيت تاجراً يبيع السلعة لأحد الناس بأغلى من سعرها، فقلت له: لم تغبن هذا المشتري وهو مسترسل معك؟ قال: ألا تعرفه، إنه فلان الذي ينكر كرامات الأولياء، فقلت له: ينكرها أو يقرها يجب أن تعامله بشرف".

ألا ترى أن فقدان الوعي عند هذا التاجر ألجأه إلى الغش بدل أن يُلجأه إلى النصيحة في بيعه وشرائه؟!.

لقد ذكر لنا القرآن الكريم أن ذا القرنين مر على قوم يتصفون بالغباء والبلاهة، فبدل أن يفكروا في السبل التي تخرجهم من جهلهم وغبائهم فكروا في رِشوة ذي القرنين لتخليصهم من اعتداء يأجوج ومأجوج عليهم، حيث قال سبحانه: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِن دونِهِما قَومًا لا يَكادونَ يَفقَهونَ قَولًا * قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا﴾ [الكهف: 93-94].

هنالك مشاكل تبدو للنظرة الأولى شديدة التعقيد، وقد يبدو للمرء أن التماس حلولها يتطلب عبقرية نفاذة، وقد تُترك هذه المشاكل على غموضها، فلا يزيدها مرور الزمن إلا تعسراً وإبهاماً، ثم يتواضع الناس بعدئذ على اعتبارها مشاكل مزمنة، يدورون في دائرتها ولا يخرجون منها، لأنهم لا يجدون مِن حلقتها المفرغة مخرجاً، وأشد هذه المشاكل تَعقيداً ما كانت حلولها قائمة على البداهة، وما كانت مفاتحها في متناول اليد، ذلك أن الذِّهن أول ما تُصادفه معضلة يذهب بعيداً ليكشف سرها، فإذا لم يَكتشفه أبعد في المذهب، وكلما عز عليه فقدانه وأوغل في نشدانه كلما ازداد حيرة وضلالاً، ولو عاد حيث كان لوجد الحل قريباً منه.

عندما تحدى "كريستف كولومبس" حُساده أن يوقفوا بيضة على طرفها حاولوا كثيراً فعجزوا، فلما ضغطها على طرفها قامت مستوية فصاح منافسوه: كنا جميعاً نستطيع ذلك، قال: ولكنكم لم تفعلوا، وهل كان اكتشاف أمريكا إلا كذلك؟!.

إننا الآن نشعر في هذه الأيام بأن الحاجة ماسة إلى نشر الوعي، وإلى إحياء ثقافتنا الذاتية، وتنقية جوها وتوسيع دائرتها، فإن الغزو الثقافي الملحاح نَجح في إعطاب شخصيتنا المعنوية وفتنتنا عن عقائدنا وعباداتنا وأخلاقنا، كما نجح في طَيِّ شرائعنا وتحقير شعائرنا، ودفعنا في المجتمع الدولي بلا صبغة حقيقة وهوية متميزة.

هل يستطيع العرب والمسلمون اليوم أن يعولوا على مجلس الأمن ومنظمة حقوق الإنسان؟ لا، على العرب والمسلمين أن يُدركوا أن وعيهم وثقافتهم وإدراكهم لما يَجري هو الطريق الأقصر للخلاص مما هم فيه.

بعد الحرب العالمية الأولى قامت عُصبة الأمم ثم انهدمت، وبعد الحرب العالمية الثانية أسس المنتصرون هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ثم كشفت الأيام عما في هذه المؤسسات مِن عوار وما اقترفته في حق البشرية كافة مِن خزي وعار، وذلك لأنها قامت على الطمع والكذب والنفاق، وأنها قلما استهدفت إحقاق حق وإبطال باطل، حفنة من الدول القوية تبعث بطائفة من السَّاسة الدجالين يَسترون مخالبهم وراء قفازات من الحرير، ويَضعون أيديهم قسراً على حقوق الآخرين، ثم يَعتلون المنابر ليتكلموا في العدل الدولي والسلام العالمي، وهم يُطيلون الكلام في هذه الموضوعات المختلفة ريثما يُكملون استعدادهم لحرب أخرى.

إن ميزان العالم يميل عن مستواه العادل، وإذا بكفتنا تَطيش في نواحٍ شتى، وإذا بالمغانم تتجه إليهم سيلاً دافقاً، والمغارم تتجه إلينا مَوجاً خانقاً، حتى وَهِمَ جمهور كبير من أبنائنا أننا خُلقنا لنكون في مؤخرة القافلة، وأن منزلة الشرق من الغرب هي منزلة التابع من المتبوع، والطريقة الوحيدة التي يتعين علينا الأخذ بها أن نوسع آفاق اليقظة العقلية والاجتماعية عندنا، حتى لا يجد عدونا لنفسه مكاناً بيننا.

وتأكيداً لأهمية الوعي واليقظة بين الأفراد والشعوب نجد الفلاسفة والمفكرين في العالم يحثون الأفراد والشعوب على التمسك بهما، لقد قال "رينيه دي كارد": (لا يكفي أن يكون لك عقل جيد المهم هو أن تستخدمه بشكل جيد) وقال "جوزيف جوبليز" وزير الإعلام النازي: (أعطني إعلاماً بلا ضمير اعطيك شعباً بلا وعي)، تفكر تأمل -أيها العربي, أيها المسلم- إلى هذه الحكمة البليغة: (أعطني إعلاماً بلا ضمير أعطيك شعباً بلا وعي)، وقال المفكر الإيراني "علي شريعتي" رحمه الله: (عندما تكون العقيدة سَطحية ويَكون الإيمان سطحياً دُون وعي فسرعان ما تتحول هاتان الميزتان إلى ضيق الأفق وتبعية عمياء للخرافة، وتصبحان حجر عثر أمام المجتمع)، وقال "شريعتي" -اسمع -أيها العربي، اسمع أيها المسلم، منذ متى قيلت هذه الكلمة- وقال "شريعتي": (الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن، ولا مِن أجل العقيدة، بل هي معركة بين مصالح دول ضحيتها العوام من السنة والشيعة)، وقال "شريعتي" مُناجياً النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (يا محمد، يا محمد، يا رسول اليقظة والحرية والقوة، في بيتك حريق منتشر، وفي أرضك سيل غربي جارف، وشعبك يغرق في سبات عميق من الذلة السوداء، اصرخ بهم، أيقظهم).

متى يستيقظ المسلمون الذين يقتلون بعضهم البعض، متى تستيقظ أمة النبي العربي محمد حتى تعود إلى نهجها وإلى رشدها وإلى صراطها المستقيم الذي رسمه الله ورسوله لها، متى تعود هذه الأمة، قل لي بربك -أيها المسلم, أيها العربي- هل يوجد عاقل في هذه الحياة يَدَّعي بأنه مسلم ويدعي بأنه يقرأ القرآن ويضع على رأسه عمامة النبي العربي محمد، ثم يَأمر بالقتل والإجرام ويُشارك في القتل والإجرام، ويدمر بلاده ويساعد الغرباء على دمار البنى التحتية في أرضه ووطنه، فهل من يقظة؟.

يا من ضللتم، يا من غرر بكم، يا من حملتم السلاح وظننتم أنكم بحمل السلاح أصبحتم رجالاً وأنكم بحمل السلاح أصبحتم أسياد الأرض، يا من تدهورتم، ويا من تهورتم، ألا تعودون إلى رشدكم، فإن النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم ناداكم: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) فهل من يقظة أيها السوريون، وهل من يقظة أيها العرب، كفانا ما أصابنا، وكفانا الذي يصيبنا، فقد شوهتم إسلامكم وشوهتم عروبتكم، وشوهتم كل تقاليد ومعالم الإنسانية، فهل مِن عودة حقيقة إلى نبيكم محمد إن كنتم مؤمنين حقاً، فهل مِن عودة حقيقة إلى قرآنكم إن كنتم تقرؤون القرآن حقاً، فهل من عودة حقيقة إلى خالقكم إن كنتم تؤمنون به حقاً، فإن الله جل جلاله أنزل علينا القرآن الكريم وبعث فينا محمداً نبي الرحمة لكي نكون رحماء في الأرض، لكي نكون واعين وراشدين، لكي ندرك أننا لسنا بأعداء لبعضنا البعض، إنما العدو الأول والأخير هو الكيان الصهيوني الذي دَنَّس أقصانا ما يزيد عن ستين عاماً، والذي قتل وسفك الدماء في أرض فلسطين الحبيبة، والذي انتهك أعراض النساء الفلسطينيات، فهل مِن يقظة وهل من وعي؟.

كان "الإمام الخميني" رحمه الله تعالى يقول وكثيراً ما يقول: (الشعوب العربية والإسلامية اليوم بحاجة إلى بصيرة) أي: إلى وعي، في مثل هذا اليوم في الرابع عشر من تموز في عام أو من عام ألفين وستة شنت إسرائيل حرباً حاقدة وماكرة بالتعاون مع بعض الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام السعودي شنت حرباً حاقدة على المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله، وكانت الغاية من هذه الحرب إنهاء المقاومة اللبنانية لكي تبقى إسرائيل آمنة مستقرة، لكننا كنا نحن كشعب كمواطنين لا نشعر بقلق أبداً على المقاومة اللبنانية، وكنا نقول أنها ستنتصر، وكنا نأيدها ونساندها بالدعاء، وهذا أقل الواجب، لأننا ندرك أن الله عز وجل ينصر الحق وأهله ولو بعد حين، وانتصرت المقاومة اللبنانية رغم أنوف الحكام الخونة، وانتصرت المقاومة اللبنانية رغم أنف الملك فهد، وانتصرت المقاومة اللبنانية رغم أنف "رايس و ليفني"، وكانت تلك المعارك وستبقى منارة للأجيال على مر الزمان أن الله ينصر الحق وأهله ولو بعد حين، وستبقى دروس المقاومة اللبنانية منارة لنا تهتدي بها الأجيال على مر العصور، لأننا تعلمنا ثقافة المقاومة والمقاومة اللبنانية اليوم بفضل الله جل جلاله لها الرقعة الكبيرة لها جمهورها الكبير، من الشرفاء، من المقاومين، من الغيارى على قضايا الأمة العربية والإسلامية.

فهل من يقظة أيها السوريون، هل من يقظة أيها العرب؟ عودوا إلى الله كما أراد الله، لا كما أراد لكم أسيادكم، ولا تبيعوا ضمائركم، فإنه من باع ضميره باع كرامته، ومن باع كرامته فالحيوان أفضل منه عند الله, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

 

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــ2ــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله اتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير, اللهم إنا نسألك أن تنصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم إنا نسألك أن توحد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم إنا نسألك أن تنصر الجيش العربي السوري في حلب الشهباء, اللهم إنا نَسألك أن تنصر الجيش العربي السوري، وأن تكون لهم معيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, اللهم إنا نسألك أن تنصر المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله, وأن تثبت الأرض تحت أقدامهم, وأن تُسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين, اللهم وفق السيد الرئيس القائد المؤمن بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بِشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية, )سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1029
تحميل ملفات
فيديو مصور