الثلاثاء 10 محرم 1446 - 16 يوليو 2024 , آخر تحديث : 2024-07-08 13:12:36 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2016-04-03 الساعة 10:37:40
انتصار الحق ومؤهلاته
الشيخ مأمون رحمة

23 من جمادى الثانية 1437 هـ / 1 من نيسان 2016 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين. يقول المولى جل جلاله في محكم التنزيل: )وَقُل جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إِنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقًا( [الإسراء: 18].معاشر السادة: مِن السَّهل أن تَمتد يدٌ لقطف زهرةٍ ورميها تحت الأقدام, مِن السهل أن يَصنع البعض حولها دُخاناً يزكم الأنوف أو يَحجب الرؤيا, وفي صدر التاريخ البشري قُتل أنبياء كثيرون دون جريرة، وعَجزت رِسالات سماوية عن المضي في طريقها لأن الخاطئين اعترضوها، وسُرقَت شعوبُ متنامية الأعداد فاختفت وراء الشمس لأن الأقوياء شاؤوا ذلك، ألم تَبقَ مِصر والشام وغيرهما في حوزة الرومان قُروناً عديدة لأن السلاح الأقوى فرض نفسه وأملى إرادته. إن الحق كي يستديم وجوده ويحمي ذاته لا بد له من قوتين: إحداهما: عقلية تبسط حجته وتنفي عنه تهمة الشراسة والعدوان، والثانية: مادية ترد الهجوم وتأدب الذين يَعيشون على القضم والهضم. ولكي ينتصر الحق لا بد له من عزيمة قوية وإرادة شامخة ونفسٍ لا تلين، ونَرى ذلك يتجلى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال مهاجمته للأصنام وتَسفيه عابديها والتنديد بجهالتهم، فلما كلمه عمه أبو طالبٍ أن يَدع هذا الدين وأن يَصون نفسه من خصومه المناوئين، أجابه قائلاً: ((والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلِك دونه))، وتمر السنون بطيئة ثقيلة موجعة، والكفاح بين الحق والباطل لا تهدأ حدته، وقد نَقلته الأيام من ميادين الكلام إلى ميادين القتال، إنه إصرارٌ لم تزده الأيام إلا قوةً وثباتاً يَربو مع الزمن ولا ينقص، وربما سألت: ما العدة في هذا النضال، وما الوسائل التي اعتمد عليها النبي صلى الله عليه وسلم في بلوغ أهدافه ودعوته؟ العدة في هذا النضال هي الاستعانة على وعثاء الطريق بطول الصبر وحسن التأسي وصدق الاعتماد على الله، حيث خاطب الله نبيه بقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]، وخاطبه أيضاً بقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]. إن أنباء المرسلين تتابعت على مر العصور مؤكدةً أن عاقبة الصبر الجميل جميلة، وأن نصر الله يجيء في نهاية المطاف، كما يَجيء الصباح بعد اشتداد الظلام، واستمع إلى يوسف عليه السلام وهو يقول لإخوته: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّـهَ لا يُضيعُ أَجرَ الْمُحسِنينَ﴾ [يوسف: 90]. إن هذه الآية كأي قانونٍ ماديٍ في علم الطبيعة أو الكيمياء تُشير إلى أن الفَرد الذي يَستجمع هاتين الخلتين لا بُدَّ أن يدركه التوفيق وتلحظه العناية وينجح في حياته حيث يخفق الآخرون الذين يقصرون في هذا المضمار، ولذلك قال إخوة يوسف له: ﴿تَاللَّـهِ لَقَد آثَرَكَ اللَّـهُ عَلَينا وَإِن كُنّا لَخاطِئينَ﴾ [يوسف: 91]، وإيثار الله ليوسف لم يكن عطاء من غير مُأهل، بل أتى بعد مراحل شاسعةٍ من الكفاح والعفاف والمصابرة والتَّحمل، وكما تَصدق هذه السنة في حياة الأفراد تَصدق في حياة الأمم، فإن الأمم لا تُرزَق التمكين في الأرض ولا تنال حظاً من عناية الله إلا إذا مرت بأدوارٍ من العمل المضني والجهاد الشاق، وصبرت على تكاليف الرسالات التي تحملها والتقدم التي تنشده، لقد ذكر القرآن الكريم السر في تَسويد الأقدمين من بني إسرائيل، حيث قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ [السجدة: ٢٤]، فالصبر الطويل واليقين الراسخ هما عدة الإمامة في الأرض والصدارة بين الناس. وينبغي أن نسأل أنفسنا: ما هو الحق الذي ينتصر، وما هو الباطل الذي يندحر؟ إن للحق خصائص وللباطل خصائص، فمن خصائص الحق أنه ضياءٌ للعقل وصدىً للفطرة ومفتاحٌ للخير وسياجٌ للحقوق، ومن خصائص الباطل أنه اتباع للوهم ومغالطة للفطرة، واستجابةٌ لطبائع السوء واقتراف للمآثم وعبادة للشيطان. إن انتصار الحق أمر لا بد منه، وغلبة أهله على غيرهم في نهاية المطاف قانون لازم دائم، وقد تسبق ذلك مَراحل طويلة، ولكن هذه المراحل لَيست تسويفاً لنتيجة ينبغي حلول أوانها، بل هي في الأغلب فترة من الزمن يَكتمل فيها معنى الحق في نفوس حملته، ويَمتزج بحياتهم الباطنة والظاهرة على سواء، فترة يخلصون فيها مِن نزعات الهوى الخفي والجلي، وتَكتمل فيهم القدرة على إفراغ الحياة الإنسانية في القالب الذي يريدون وتسييرها نحو الوجهة التي يبتغون، فإذا بلغ هذا الاستعداد تمامه فما مِن شك أن البَاطل مُندحر، وأن رَايته مُنكسة وأن أتباعه زائلون، وقد أكد القرآن الكريم في أكثر من موضع هذه الحقيقة، وذكر بوضوح أن النصر حليف هذا الحق الناضج، وأن الباطل زاهق أمامه لا محالة، حيث قال سبحانه: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-62]، فهذا تهديد لأعداء الحق، أن بقاءهم عن الخديعة وإشاعتهم للأكاذيب واتباعهم للهوى سوف يُوردهم حتماً المصير الذي ورده المكذبون الأوائل، وهو مصير لا ينجو منه ظالم أبداً، وفي سورة الفتح قال سبحانه: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّـهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا﴾ [22-23].فالمعارك التي تنشب بين الحق والباطل والخير والشر تنتهي بالمعركة الفاصلة آخر الأمر، وتضطرد بها سنة الله في المستقدمين والمستأخرين، وتدور دائرة السَوء على الذين مكروا، وينقلب السحر على الساحر، وتأكيداً لهذه الحقيقة قال جل جلاله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].يا سادة: لما حلت نعمة الله بالمسلمين وانفضت جموع الأحزاب عن المدينة بقدرة الله وحده قال عليه الصلاة والسلام: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا))، والمعنى: أن الوثنية في جزيرة العرب ومعها اليهودية فشلتا في دك المجتمع الإسلامي وخلع جذور التوحيد من تربته، وبعد هذا الاحتشاد الذي أعدوا له واستماتوا فيه تبدد أمره وانتهى بالبوار كيده، بعد هذا نستطيع أن نمسك بطرف المبادئة، وأن نتحرك نحن لنأدب غيرنا، لا لنتلقى منه الضربات. إن انتصار جيشنا -يا سادة- إن انتصار جيشنا على التتار والمغول في مدينة تدمر، يجعلنا أن نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا))، فإننا نرى في الأيام القادمة أن الجولة بإذن الله جل جلاله هي للجيش العربي السوري وحلفائه الأشاوس، وإننا نرى بهذا الانتصار نهاية الإرهاب والإجرام الذي عانينا منه خمس سنوات، كل الحب وكل الإجلال للجيش العربي السوري، الذي يحارب الإرهاب عن العالم أجمع، والذي يدافع عن الإسلام وعن المسيحية، والذي يدافع عن قضية فلسطين، والذي يدافع عن القيم التاريخية للأمة العربية والإسلامية، هذا الجيش أصبح أسطورة، وسيتغنى الزمان ببطولاته، ببطولته ورجولته، وإنه من الجدير بالذكر أن نذكر في هذا المقام ما قاله أحد الشعراء يمدح الرجال العظماء الذين يقاتلون الأعداء في السهول والجبال والوديان، يَشرح حالهم كيف كانوا يقاتلون قال:

كُنا جبالاً في الجبال وربما *** سرنا على موج البحار بحاراً

كُنا نقدم للسيوف صدورنا *** لم نخشَ يوماً غاشماً جباراً

وكأن ظل السيف ظل حديقة *** خضراء تُنبت حولها الأزهاراً

ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا *** نرجو ثوابك مغنماً وجواراً

يا دمشقيون: قفوا على أقدامكم، فمن حق الشهداء علينا أن نقف إجلالاً واحتراماً لأرواحهم الطاهرة، ولِنُري العالم بأسره أن دمشق ها هي بأبنائها ورجالها وعظمائها وشرفائها تُقدس دم الشهيد، تُعظم الشهيد، تحب الشهيد، تقف إلى جانب أهل الشهيد، وكل الحب والإجلال لأهلنا في مدينة طرطوس، كل الحب والإجلال لشهدائنا العظام، كوكبةٌ من الشهداء زُينت بها طرطوس، طرطوس تُزيَّن اليوم بشهدائها ورجالها، كل الحب والإجلال للشرفاء في هذا الوطن، كل الحب والإجلال للعظماء في هذا الوطن، كل الحب والإجلال للذين يقفون جنباً إلى جنب مع الجيش العربي السوري، والذين يحملون البندقية دفاعاً عن هذا الوطن الحبيب، دفاعاً عن سوريا قلب العروبة والإسلام، ولنقرأ جميعاً -أيها الإخوة المصلون، أيها السوريون، أيها الشرفاء- لنقرأ جميعاً الفاتحة على أرواح شهدائنا الأبرار الأجلاء، عسى أن تَكون هذه الفاتحة نوراً يتلألأ بين أيديهم، وهذا أقل ما نُقدمه لأولئك العظماء الذين نَعجز وتَعجز الدنيا عن مكافأتهم، والحمد لله رب العالمـين.

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــ2ـــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله, اتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير، اللهم ارحم شهداءنا, اللهم ارحم شهداءنا, اللهم عافِ جرحانا, اللهم عافِ جرحانا, اللهم إنا نسألك أن تَنصر الجيش العربي السوري، وأن تكون له معيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان، اللهم إنا نسألك أن تنصر المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله، وأن تثبت الأرض تحت أقدامهم، وأن تسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين, اللهم وفق السيد الرئيس بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بِشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية.

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 980
تحميل ملفات
فيديو مصور