الثلاثاء 10 محرم 1446 - 16 يوليو 2024 , آخر تحديث : 2024-07-08 13:12:36 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2016-02-07 الساعة 09:02:21
ولــــقد كــرمــنا بــنــي آدم
الشيخ مأمون رحمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى جل جلاله في محكم التنزيل: )وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا ( [الإسراء: 70].

معاشر السادة: إذا ذُكر الرَّقيق ارتسمت أمام العين صور شائهة لأسواق النخاسة التي أقامها قناصوا البشر وتاجروا فيها بأناس أطهار أبرياء، نفوسهم لا شك أنظف وأنقى من نفوس الخطافين الذين اصطادوهم، ومن نفوس المترفين الذين اشتروهم ليسودوهم ويستغلوهم، وإن المرء ليشمئز من تصور إنسان كريم على الله يَجب أن تتوفر له أسباب الكرامة بين الناس، ثم إذا هو يتحول فجأة إلى سلعة تتداولها الأيدي كما تتداول كلاب الحراسة أو أبقار الحرث، ولماذا؟ لا لشيء إلا لأن الدنيا سقطت في أيدٍ لا تَعدل ولا ترحم، وهَيمن عليها نفر من المستبدين ملؤوها بالتقاليد المنحطة.

إن الرَّقيق الذي قامت على كواهله حضارة الرومان والفرس والإغريق، وظل يزحم الأسواق في الشرق والغرب، وظل ينتقل من أوربا إلى أمريكا قروناً طويلة، هذا الرَّقيق لا يعرفه دين ولا يُقره خلق، ومن المدهش أن فريقاً من الناس الذين احتكرت عقولهم ثقافة الغَرب يُريدون أن يُحملوا الإسلام وحده تبعات الاسترقاق الذي اجتاح وباؤه الدنيا كلها إلى عهد قريب، ويُريدون أن ينسبوا الفضل في تحرير العبيد إلى بعض الرجال النابهين في أوربا وأمريكا، نعم قد يكون لأوربا فضل القضاء على الرِّق الفردي، غير أنها لم تفعل ذلك تكريماً للإنسان واحتراماً لحقوقه وتقديساً لحريته، لا، فقد استبدلت الرق الجماعي بالرق الفردي، وتحولت من استذلال فرد لفرد إلى استذلال شعب لشعب.

جاء الإسلام والرُّق من دعائم الحياة الاقتصادية والاجتماعية في العالم كله، فاتجه هذا الدين إلى استنقاظ أولئك البائسين، فكان من أوائل الوحي النازل بمكة في صدر الإسلام قوله سبحانه: )فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة( [البلد: 10-16]، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله نص يدعو إلى الاسترقاق، بل هناك مئات النصوص تدعو إلى العتق.

لقد مضى الإسلام في طريقه يحرر النفوس يحرر النفوس من آصار الشهوات وينقذ المستضعفين من قيود الذلة، حتى إن عُظماء العرب اعتبروا هذا المسلك الإسلامي عائقاً يَحول بينهم وبين الدين الجديد، وهاجت في دِمائهم حميَّة الجاهلية، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم مُستنكرين: كيف يُسوي بينهم وبين هؤلاء العبيد؟ ومَشى إليه أبو جهل يُكلمه: أجئت ترفع ابن سمية الذليل إلى منازل السادة؟ وتَكالبت العرب بعدها على المسلمين تبغي فتنتهم، وأعلنت على النبي وأصحابه حرباً شعواء، وكانت الأيام بين الفريقين دولاً، وقد أبطل الإسلام ما كان متعارفاً مِن أسباب الاسترقاق، ورفض ما كان مشروعاً لدى الرومان من أن اقتراف بعض الجرائم أو الإعسار في سداد دين يَهوي بالإنسان مِن مرتبة الحرية ويَمسخه عبداً مهيماً.

يا سادة: إن القتل والأسر طَبيعة محتومة في كل قتال، والعرف السائد بين العرب أن الأسرى لا حُرمة لهم ولا حَقَّ، وأنهم بين أمرين أحلاهما مرٌّ: القتل أو الاسترقاق، فماذا فعل المسلمون بما لديهم من أسرى؟.

إن التعاليم التي بين أيديهم توصي بهم خيراً، حيث وصف الله المؤمنين بأنهم )يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(  [الإنسان: 8-9]، وحضهم الرسول الرحيم على مكارم الأخلاق بقوله: ((عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني)) أي: أطلقوا سراح الأسير، ففي معركة بدر قَبِلَ المسلمون الفداء، وفي فتح مكة قال الرسول لأهلها: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))، وفي غزوة بني المصطلق رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج جويرية بنت الحارث الأسيرة من هذا الحي المغلوب ليرفع مكانته، وتم له ما أراد.

إذا كان هناك بعض المسلمين قد حاولوا أن يَسترقوا أحداً مِن الناس فعملهم هذا ليس من الإسلام، فإننا لا نُنكر أن بعض المسلمين نَزلوا بدينهم إلى الحضيض، ومرغوا سمعته في التراب، وهؤلاء صدق عليهم قول الشاعر:

ومن دعا الناس إلى ذمه *** ذموه بالحق وبالباطل

ولكن من الإنصاف ألا ننسب جريمة الرق إلى بعض الظالمين إلى دون بعض، فإن المسلمين وغير المسلمين سواء في هذه البلية، وأسواق النخاسة لم يعرفها الشرق ويجهلها الغرب، ولقد دار القتال الأهلي في الولايات المتحدة بين الشمال والجنوب لإنهاء عهد الرَّقيق، فهل كان الإسلام مسؤولاً عن رقيق أمريكا؟ هناك أناس حكموا باسم محمد وباسم عيسى، فاسترقوا الشعوب شرقاً وغرباً، فإن الكفة الساحقة من هؤلاء وأولئك ملوك مستبدون، لا يربطهم بأديانهم نسب عريق، ومسالكهم وأخلاقهم أبعد مَا تكون عن هدي الأديان ورضى الرحمن.

هناك كثير من العقلاء يتساءلون: هل عاد زَمن الرِّق والإيماء بِسبب الحرب الباردة التي تضرب سوريا واليمن والعراق وغيرها من البلاد؟ وهل أصبحت مُخيمات اللاجئين في الأردن وتركيا أسواقاً للنخاسة تُباع فيها الأعراض بثمن بخس ودراهم معدودة؟.

إن موقف الإسلام مِن استرقاق الرجل كموقفه من استرقاق المرأة، وإن سَعيه لتحرير هذا كسعيه لتحرير تلك، ولنسأل أنفسنا: ما هي الرعاية التي تجب للمرأة خاصة، وما الذي يجب أن يُسدى إليها أيام الحرب وأيام السلام؟.

يا سادة: إن مركز المرأة الحساس يجعل مشاعرنا مُرهفة تُجاه المعاملة التي سوف تلقاها، ويجب أن نُصرح هنا بأن أخطار الغرب كلها أقامت حضارتها الحديثة على ابتذال عرض المرأة في شتى الأحوال، وأوربا أمريكا آخر مَن يتكلم عن قيمة الشرف بعد ما جعلتا البِغَاء شريعة مُقررة أيام السلام، وفريضة مُرَفِّهة أيام القتال، وقد علمنا أن فرقاً هائلة من المجندات اليهوديات والأمريكيات تَستخدمهن الدول المحاربة لأغراض معروفة، والضمير الغربي لا يَأبه لهذه الفضائح، فإن المسألة الجنسية في حسابه تتصل بغرائز البدن لا بفضائل النفس، ومِن ثم فهو يَقطع صلتها بالأخلاق ويدعها تتبذل كيف تشاء، فالغرب قد عملوا إذاً على استرقاق المرأة في بلادهم، وأرادوا مع الأسف أن يَسترقوا نساء الشرق في بلادهم، والعالم كله يعلم أن اليهود عندما اجتاحوا فلسطين ونزح نساؤها إلى المخيمات صارت اللاجئات يُبعن بأثمان مُغرية لقصورٍ ما يزال أمراؤها يستبيحون الاتجار في الرقيق، ويقبل الآباء والأمهات هذه الصفقات الآثمة تحت وطئة الحاجة إلى القوت، وهم يَحسبون أن بناتهم سيجدون على أية حال مُستقبلاً أفضل من حاضرهن الحزين، وكما فعل باللاجئات الفلسطينيات فعل كذلك باللاجئات السوريات، في مخيم الزعتري في الاردن، وفي تركيا، وكنَّ مع الأسف ضحايا لمتعة فحل سعودي أو تركي لا يقيم حرمة للشرف ولا للمروءة، أما في العراق فقد عملت داعش على استرقاق النساء الإزيديات بطريقة شنيعة لم يعرف التاريخ مثيلاً لها.

فالإسلام -يا سادة- لم يجعل استعباد الناس ركناً سادساً من أركانه الخمس، لا، ولكنه يريد أن يطهر الدنيا من أدران المستبدين، وأن يدع تيارات الفكر المستقيم تقتحم كل مجال، وتنساب في كل ميدان.

يا سادة: إن الحروب الشرسة التي تتعرض لها سورية واليمن والعراق وليبيا، وغيرها من البلاد العربية، تُريد أن تسترق الشعوب نساءً ورجالاً، وهذا الأمر يجعل آل سعود ويجعل الأتراك ويجعل أردوغان الأحمق يَستميتون مِن أجل ذلك في تحقيق هذا الأمر، لكنهم خسؤوا والله، لأننا أولاً نؤمن بالله جل جلاله، ولقد استطاع بفضل الله عز وجل الجيش العربي السوري، وبالتعاون مع حلفائه الأكارم والأشاوس والأطهار، المتمثلين بدولة روسيا الاتحادية، والمتمثلين بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمتمثلين بحزب الله، أن يكسروا قيود الرِّق عن نُبُّل والزَّهراء.

يا سادة: نجد الجيش العربي السوري، نجد رجال الله، في كل يوم وفي كل ساعة يُحققون انتصارات رهيبة وفظيعة، أذهلت الأعداء وخَبَّطتهم مع بَعضهم البعض، حتى وقعوا في أمر لم يَدروا ماذا يقولون وماذا يفعلون، وإلى أين يتجهون، عندما اتبعوا الشيطان الأمريكي ضاع طريق الحق عليهم، عندما اتبعوا أهواءهم وشهواتهم وأنفسهم ضَاع طريق الحق عنهم، حتى وصل الأمر إلى أنهم يُعلنون بصراحة أنهم لا يُريدون حواراً، ولا يُريدون إصلاحاً، ولا يريدون سلاماً، ولا يريدون خيراً للشعب السوري، ولا لليمني ولا للعراقي، ولا للمصري ولا لليبي، ولا للشعب البحريني.

نعم يا سادة، فالجيش العربي السوري يُحقق هذه الانتصارات، تحررت الشيخ مسكين، وما أدراك ما تحرير الشيخ مسكين، تحررت وفُك الحصار عن نُبُّل والزهراء، وما أدراك ما معنى فك الحصار عن تلك المناطق، تحررت كثير من البلدان، كثير من المناطق، وفي كل يوم وهكذا سنبقى، نعم سنستمر، سنقاوم، سنقاتل، حتى نطهر سوريا من براثن الإرهاب والإجرام، شاء من شاء وأبى من أبى، لا نرضى أبداً أبداً أن يبقى إرهابي واحد يُدنس أرضنا، يهتك عرضنا، يُشردنا من بيوتنا، لا نرضى أبداً على الإطلاق، هذه أرضنا، هنا وطننا، هذا شعبنا الأبي المقاوم لا يركع ولا يستكين، مهما كذب أردوغان، مهما كذب الغرب، مهما حاولوا أن يُشوهوا صورة الحلفاء، لن نركع ولن نساوم، حتى نُطهر أرض هذا الوطن مِن كيد الكائدين وغدر الغادرين.

تحية إلى روسيا حكومة وشعباً وقيادة، تحية إلى بوتين، هذا القائد المخلص الوفي للجمهورية العربية السورية، تحية إلى الإمام المقاوم حسن روحاني، هذا القائد العظيم الذي وقف بحق إلى جانب الجمهورية العربية السورية، تحية إلى أرواح حزب الله، تحية إلى أرواح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحية إلى أرواح رجال الله، رجال الجيش العربي السوري، لا نخشى أحداً ما دام رجال الله يُدافعون عن أرضهم وعن حقوقهم، وما دام الشرفاء في هذا العالم يَقفون بحق وصدق إلى جانب الجمهورية العربية السورية، إلى جانب هذا الشعب الذي عانى ما عانى مِن ويلات الإرهاب، ومن ويلات المجموعات الإرهابية المسلحة التي خدمت الصهيونية العالمية والماسونية العالمية خدمة جليلة لم تَكن تتوقعها في يوم من الايام.

)إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد(.

الخطـــــــــــــــبة الثانيـــــــ2ـــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحّاً غدقاً طبقاً مجللاً إلى يوم الدين، اللهم زدنا ولا تنقصنا وأعطنا ولا تحرمنا, اللهم إنا نسألك أن تَنصر الجيش العربي السوري، اللهم إنا نسألك أن تنصر المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله، وأن تكون لهم معيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان، اللهم وفق القائد المؤمن بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بِشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 974
تحميل ملفات

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

أدخل الرمز : *