الاثنين 15 شوال 1443 - 16 مايو 2022 , آخر تحديث : 2022-05-09 11:14:56 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2015-09-13 الساعة 08:44:01
إنـــمــا يـــتــذكــر أواــو الألــبــاب
الشيخ مأمون رحمة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستنّ بسنّتهم إلى يوم الدين.

من اعتمد على علمه ضلّ, ومن اعتمد على عقله اختلّ, ومن اعتمد على سلطانه ذلّ, ومن اعتمد على ماله قلّ, ومن اعتمد على الناس ملّ، ومن اعتمد على الله، فلا ضلَّ ولا قلَّ ولا ملَّ ولا ذلَّ ولا اختلَّ, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عزَّ وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى جل جلاله في القرآن الكريم: )أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب( [الرعد: 19].

ورد في الحديث الذي رواه الطبراني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما اكتسب مكتسب مثل فضل علمٍ يَهدي صاحبه إلى هدى أو يَرُدُّه عن ردى، وما استقام دينه حتى يستقيم عمله)).

معاشر السادة: يظن نفر من الناس في هذا العصر أن الدين أمسى من المخلفات البالية، وأن الأجيال الصاعدة يَجب أن تكسر قيوده وتتجاوز حدوده، وتسير وحدها دون رعاية لأحكامه أو تهيب لجزاء منتظر، ويتعلق أولئك الواهمون بأن العلم فض مَغاليق الكون واكتشف أسراره، وأرصد لكل مشكلة علاجاً من عنده لم تبق للدين موضعاً ولا لقضاياه مكاناً، وهذا الكلام إفكٌ كله، ومهما نقبت فيه فلن تجد إلا ظلمات الادعاء والغرور ونضج الجهالة والشرود.

إن الدين كان وما زال وسيظل ملتقى العقول السليمة والفطر القويمة، ما أخطئ مَنهجه فكر ثاقب ولا ضَل صراطه طبع نظيف، وإن العلم مهما اتسعت آماده وامتدت أبعاده وترادفت كشوفه فلن يجيء إلا بما يُصدق الوحي ويدعم الإيمان ويمكن لهداية الرحمن، وإلا بما يزيد الأتقياء بصراً بجلال الله وقياماً بحقه وثِقة بلقائه الموعود، ثم إن التُّهمة التي تُوَجَّه إلى الدين الآن ليست جديدة، والقول أن الإيمان لون من خرافات الأقدمين سبق أن قاله الأقدمون مِن عبدة الأصنام، )وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا( [الفرقان: 5] والذي يزعم بأن الدين شيء من خرافات الأولين ضرب من الجرأة التي يتسم بها فقهاء كل عصر ويمرون بها المرسلين، فإن اتباع الدين والانقياد لتعاليمه يقتضي تفتحاً ذهنياً يتجاوب مع آيات الله في كونه، كما يقتضي عزيمةً قوية لفطام النفس عن المظالم والآثام، وهذا الجهاد يجعل كفة المؤمنين في أية موازنة أرجح، ويجعلهم أحق بالاحترام في الدنيا والآخرة، فيا عجباً، كيف يزعم زاعم أن الإسلام ضد العلم، أو أن الإسلام ذهب أوانه لأن العلم قد توطدت أركانه، إن هذا ارتكاسٌ في الفهم والتماس في البصائر، وإلى أولئك أشار القرآن الكريم بقوله سبحانه: )أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون( [الجاثية: 23].

ثم انظر، أي كمال تبلغه الإنسانية بعيداً عن منطق الإيمان وإيحاء الدين، إن دسائس النفس لبلوغ مآربها لا حصر لها، ما لم يحكمها ضمير موصول بالله فإنه يَستحيل أن تُخلص للخير أو أن تتجرد من الشر، وقد حصل الغرب في هذا العصر على أرصدةٍ ضَخمة من العلم النظري والتفوق المادي، فماذا صَنعوا وماذا استفادت الدنيا منه؟ ملكوا القوى فكانت في يد الفاتح سلاحاً للنهض والغصب، وأداة للجبروت والكبرياء، ووسيلةً لقهر الأمم وتكبيل عقولها وضمائرها بالأغلال.

إن الحياة التي يَستهدفها العنف لسكان هذا الكوكب المرهق حَياة لا صواب فيها ولا رحمة، إن الحياة التي تكون بعيدة عن فضائل الدين وشعائره فهي حياة حيوانيةٌ مَحضة، ولا يَجوز أن ينخدع العقلاء بمظاهر الارتقاء التي تَلوح أحياناً بين أقوام متحللين من شعب الإيمان وتعاليم الدين، فإن أزمات العالم التي تتهدّده بالويل والعذاب الأليم إنما نمت أو نشأت مِن غرائز السوء التي نمت في ظلال القوة والجبروت، وانطلقت من عقالها انطلاق السباع من غاباتها، ولن ترجع إلى الأرض الرحمة والبركة إلا إذا عاد النَّاس إلى ربهم مُنيبين راشدين.

ومن هنا نقول: إن كل تدين يُجافي العلم ويُخاصم الفكر ويَرفض عقد صلح شريف مع الحياة هو تديّن فقد كل صلاحية للبقاء، فالتدين الحقيقي إيمان بالله العظيم، وشعور بالخلافة عنه في الأرض، وانطلاق إلى السيادة التي اقتضتها هذه الخلافة، نعني بذلك السيادة على عناصر الكون وقواه، ولا تتاح هذه السيادة بداهة إلا لعقل ذكي جَوَّاب في الآفاق، متطلع إلى اقتحام المجاهل، راغب في تطويعها لمشيئته.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 926
1  2  3  4  
تحميل ملفات
فيديو مصور