الاثنين 18 ذو الحجة 1445 - 24 يونيو 2024 , آخر تحديث : 2024-06-23 12:57:32 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

كلمة الأسبوع

تاريخ النشر 2016-02-25 الساعة 10:29:31
الـقـصــص القـرآنـي " حـقـيقـتـه و خـصـائـصـه و أغـراضــه "
أ. د علي جمعة

اشتمل القرآن الكريم علي كثير من أخبار الأمم الماضية والنبوات السابقة والحوادث الواقعة وتتبع آثار كل قوم ونقل لنا صورة ناطقة لما كانوا عليه، يقول السيوطي ذاكرا العلوم التي احتوي عليها القرآن: وعلم القصص هو الاطلاع علي أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ليعلم المطلع علي ذلك سعادة من أطاع الله وشقاوة من عصاه, (الإتقان في علوم القرآن 3/364).

وقصص القرآن أصدق القصص وأحسنها وأنفعها لقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء:87], وقوله عز وجل: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) [يوسف:3], وذلك لمطابقتها للواقع ووصولها لأعلى درجات البلاغة وفصاحة الألفاظ ولقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال.

وقد تعددت أنواع القصص القرآني بين قصص الأنبياء التي تذكر دعوتهم إلى قومهم ومراحلها ومعجزاتهم وعاقبة المؤمنين بهم والمكذبين; كقصة سيدنا نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم. عليهم جميعا السلام وقصص تتعلق بحوادث وأشخاص لم تثبت نبوتهم; كقصة سيدنا طالوت وجالوت وابني آدم وأهل الكهف وغيرهم. وقصص أخرى تذكر الأحداث التي وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كغزوة بدر وأحد وحنين وتبوك والأحزاب ونحو ذلك.

وتتسم القصة القرآنية بخصائص عدة; أهمها أنها تشد القارئ وتوقظ انتباهه وتجعله دائم التأمل في معانيها وموضوعها, كما تتعامل مع النفس البشرية بواقعيتها فهي ليست غريبة عن الطبيعة البشرية ولا محلقة في المثالية; لأنها إنما جاءت علاجا لواقع البشر فلذلك تذكر جانب الضعف والخطأ في طبيعة الإنسان العادي وتذكر الجانب المثالي المتسامي الذي يمثله الرسل والأنبياء والصالحون.

وكذلك نري الصور البيانية القرآنية تبدو أوضح ما تكون في القصص القرآني، وإن كان كل البيان القرآني رائعا واضحا, فإن القرآن في وصف الحوار والأجواء الفكرية والاعتقادية يصورها تصويرا واضحا, فإذا وصف حالا لرجل تجده يصور قلبه وخواطره, وإذا صور واقعة أو حدثا تجده يصف آثاره ويحدد أبعاده.

ومن ناحية أخرى فإن القصة القرآنية وسيلة إلى تحقيق أغراض القرآن الدينية؛ فهي إحدى الوسائل لإبلاغ الدعوة الإسلامية وتثبيتها, ومن أغراضها الاعتبار بأحوال الأمم السابقة, وكذلك إثبات الوحي والرسالة وتحقيق القناعة بأن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما علمه الله سبحانه, والقرآن ينص على هذا الغرض فيقول تبارك وتعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) [يوسف:2-3], ويقول: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) [هود:49].

ومن أغراض القصة القرآنية بيان أن الله ينصر رسله والذين آمنوا ويرحمهم وينجيهم من المآزق والكروب, من عهد آدم إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين كلهم أمة واحدة والله الواحد رب الجميع, يقول تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92]; وفي هذا شد لأزر المؤمنين يقول عزوجل: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود:120].

وإننا لنلاحظ فروقا عدة بين القصة الدينية والقصة الفنية, وأهم هذه الفروق أن القصة القرآنية دائما ما تؤكد غايتها من خلال التعليقات التي تتكرر فيها, سواء التي تسبق سرد أحداث القصة أو تلحقها أو التي تأتي في أثناءها لتفسر أسباب تلك الأحداث بما يبررها حتى يكون لها وقعها في النفوس; فالقصة القرآنية تحرص على إبراز المغزى في حين لا يجوز ذلك في القصة الفنية, وذلك لأن القصة القرآنية قصة إيمان وهدفها تربية العقيدة في الوجدان الإنساني، والقرآن الكريم عام لجميع الخلق وبعض الناس قد لا يحسن استنتاج العبرة من القصة, فكان لابد من إرشاده إلى الغرض الذي تجسده بأسلوب يغلب عليه التسهيل أحيانا ليفهمه كل إنسان.

أما عن أهم ظواهر القصص القرآني, فهي التكرار الصوري للقصة أكثر من مرة، وإنما سمي هذا تكرارا صوريا لأن ظاهره التكرار, والحقيقة أنه ليس فيه أي تكرار, فالقصة الواحدة إذا كررت في القرآن فإن ذلك يكون لفائدة اشتمل عليها كل موضع خلت منها المواضع الأخرى.

إن القصص القرآني عرض بأساليب معينة ووزع على السور توزيعا خاصا بين إيجاز وإطناب, وكل منها منسجم مع أهداف السورة الأساسية ولا ينفصل أسلوب القصة عن أجواء السورة وأغراضها.

والحاصل أن المتدبر لقصص القرآن الكريم يجد في كل قصة من الأهداف والعبر والإشارات واللطائف ما لا ينفد من المعاني والأهداف الدينية والتربوية الشريفة, وصدق الله العظيم إذ يقول: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف:111].

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 1583

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

أدخل الرمز : *