الخميس 06 ربيع الأول 1440 - 15 نوفمبر 2018 , آخر تحديث : 2018-11-11 14:20:17 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2018-04-29 الساعة 08:35:09
ليلة النصف من شعبان وسلامة الصدر
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87 - 89]

وقال جل جلاله: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83، 84]

أخرج البيهقي بإسناد مرسل جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت قام رسول الله

 صلى الله عليه وسلم من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قُبض، فلما

رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت، فلما رفع رأسه من السجود

وفرغ من صلاته قال: «يا عائشة أو يا حميراء أظننت أن النبي صلى الله عليه وسلم

قد خاس بك؟!» قلت: لا والله يا رسول الله ولكني ظننت أنك قُبضت من طول سجودك. فقال: «أتدري أي ليلة هذه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هذه ليلة النصف من

شعبان، إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر

للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم».

وأخرج الترمذي بسند ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدتُ رسول الله

صلى الله عليه وسلم ليلة فخرجت، فإذا هو بالبقيع، فقال: «أكنت تخافين أن يحيف

الله عليك ورسوله»، قلت: يا رسول الله، إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال:

«إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من

عدد شعر غنم كلب» وهي قبيلة معروفة بكثرة أغنامها.

   وأخرج البيهقي وغيره بإسناد مرسل جيد عن أبي ثعلبة رضي الله عنه أن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: «يطلع الله إلى عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر

للمؤمنين ويمهل الكافرين ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه».

عنوان خطبة اليوم: ليلة النصف من شعبان وسلامة الصدر

أيها الإخوة:

 روى في فضل ليلة النصف من شعبان من الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر الصديق وأبو موسى الأشعري وأبو ثعلبة الخشني ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو وعائشة.

  قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: ورد في فضيلة ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث مجموعها يدل على أن لها أصلاً؛ ... وهي بمجموعها حجة على من زعم أنه

لم يثبت في فضيلة ليلة النصف من شعبان شيء.

ونحن في بحر الأسبوع القادم على موعد بإذن الله مع أنوار هذه الليلة وعطايا الله

تعالى فيها، وقد سمعتم بعضاً من الأحاديث الواردة فيها، ولفتني أن مغفرة الله تعالى فيها لعباده واسعة ونظره إليهم جل جلاله برحمته شاملة إلا أن المشركين وصنفاً من المسلمين يُحرمون من خيرات هذه الليلة ومغفرتها –كما سمعتم- إنهم أهل الحقد والشحناء: ويؤخر أهل الحقد كما هم، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه، فيغفر

لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن. ذلك لأن الشيطان قد يأس أن يوقع المسلمين في الشرك ولكنه طامع في التحريش بينهم بالعداوة والبغضاء والأحقاد، فإذا اشتعلت نار العداوة في القلوب استمتع الشيطان برؤيتها وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم،

وتلتهم علائقهم وفضائلهم، ذلك أنّ الشرّ إذا تمكّن من الأفئدة (الحاقدة) تنافر ودّها وارتدّ الناس يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض.

إنّ الحقد هو المصدر الدفين لكثير من الرذائل التي حذر منها الإسلام، فالافتراء على الأبرياء والغيبة وسوء الظنّ وتتبّع العورات، واللمز، والحسد وتعيير الناس والسخرية منهم كل ذلك مصدره الحقد. ومن أجل ذلك كان أهل الحقد محرومين من بركات الله

في ليلة النصف من شعبان وفي غيرها، ومن أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه

وسلم يجعل في دعائه قوله: «رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبتي، واغْسِلْ حَوْبَتي، وأجِبْ دَعْوَتي،

وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وسَدِّدْ لِسَاني، واهْدِ قلبي، واسْلُلْ سَخيمَةَ صَدْرِي». وسخيمة الصدر أحقاده.

أيها الإخوة:

جدير بمن عيشه على هذه الأرض قصير، وحاجته للتعامل مع الخلق من حوله كثير،

 ألا يجعل في قلبه الأحقاد والشحناء ولا الإحن والبغضاء؛ لكي لا يتلف أعصابه ولا يفجع بنفسه أحبابه.

جدير بمن أيامه على الأرض معدودات، ونواياه وأعماله وكلماته عليه أو له

محسوبات، أن يحرص على سلامة قلبه وأن يجهد في طهارة نفسه. 

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنّا جلوساً مع رسول الله؟ فقال:

«يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنّة»، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من

وضوئه قد علّق نعليه بيده الشمال، فلمّا كان الغد قال النبيّ؟ مثل ذلك، فطلع ذلك

الرجل

مثل المرّة الأولى، فلمّا كان اليوم الثالث قال النبيّ مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأوّل، فلمّا قام النبيّ صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو،

فقال: إنّى لاحيت أبي، فأقسمت أنّي لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك

حتّى تمضي فعلت. قال: نعم.

قال أنس: فكان عبد الله يحدّث أنّه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنّه إذا تعارّ تقلّب على فراشه ذكر الله عزّ وجلّ، وكبّر حتّى لصلاة الفجر.

 قال عبد الله: غير أنّي لم أسمعه يقول إلّا خيرا، فلمّا مضت الثلاث الليالي، وكدت

أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن

سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرّات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنّة،

فطلعت أنت الثلاث المرّات، فأردت أن آوي إليك، فأنظر ما عملك، فأقتدي بك، فلم

أرك عملت كبير عمل، فما الّذي بلغ بك ما قال رسول الله؟؟

قال: ما هو إلّا ما رأيت، فلمّا ولّيت دعاني فقال: ما هو إلّا ما رأيت، غير أنّي لا أجد

في نفسي لأحد من المسلمين غشّاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إيّاه.

وفي رواية: ما هو إلّا ما رأيت يا ابن أخي إلّا أنّي لم أبت ضاغناً على مسلم. فقال

عبد الله: هذه الّتي بلغت بك) [رواه أحمد].

إن سلامة الصدر من الأحقاد والأضغان سبب موصل لمغفرة الله وجنته.

قال زيد بن أسلم رضي الله عنه: دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه

 يتهلّل، فقيل له: ما لوجهك يتهلّل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلّم فيما لا يعنيني، أمّا الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليماً.

 

أيها الإخوة:

ولعل امرءاً مسلماً أو امرأة ابتلي بالحقد في قلبه والإحن في صدره فما علاجه قبل

أن تفوته مواسم المغفرة وتدركه فجاة الموت وهو على حاله؟

والجواب: للحقد سببان: فإما أن يكون رجل ظلم رجلا ولم يستطع المظلوم أخذ حقه

فحقد عليه وتمنى أن يقتص منه بنفسه أو أن تقتص منه الأقدار، وإما ألا يكون

بينهما ظلم ولكن خبث نفس ومرضها فهي شحيحة بالخير على العباد تحقد على من أنعم الله عليه وأكرمه.

وينفع في علاج الحقد إذا كان سببه الأول -أي ظلم رجل لأخيه- أن يقلع المعتدي

عن غيّه ويصلح سيرته، وأن يعلم أنّه لن يستلّ الحقد من قلب خصمه إلّا إذا عاد

عليه بما يطمئنه ويرضيه وعليه أن يصلح من شأنه ويطيّب خاطره، وعلى الطرف الآخر أن يلين ويسمح ويتقبّل العذر وبهذا تموت الأحقاد وتحلّ المحبّة والألفة.

 وينفع في علاج الحقد إذا كان سببه الثاني – أي إن كان الحقد بسبب خبث نفس

الحاقد وشحّها بالخير لعباد الله تعالى- الأمور الآتية:

1-  على الحاقد أن يكلّف نفسه أن يصنع بالمحقود عليه ضدّ ما اقتضاه حقده فيبدّل

الذمّ مدحا، والتكبّر تواضعا، وعليه أن يضع نفسه في مكانه ويتذكّر أنّه يحبّ أن

يعامل بالرّفق والودّ فيعامله كذلك.

2-  عدم استماع الحاقد لأحاديث الذم أو الانتقاص من المحقود عليه، فقد روى

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبلّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا

سليم الصدر». [أبو داود].

3-  التهادي بين الطرفين، فقد جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا، تهادوا فإن الهدية

تذهب وحر الصدر» [مسند أحمد] أي غشه ووساوسه وقيل الحقد، وجاء الحديث بصيغة (تهادوا) يحما معنى المفاعلة في إشارة أنه ينفع المحقود عليه أن يهدي الحاقد ليخفف من وطأة حقده، وينفع الحاقد أن يهدي المحقود عليه ليخفف نار الحقد في قلبه ويسلم صدره.

4-  اللقاء وإفشاء السلام والمصافحة أخرج الإمام مالك في الموطأ عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «تصافحوا يذهبِ الغِلُّ، وتَهادَوْا تَحَابُّوا، وتذهب الشحْنَاء».

5-  الإكثار من ذكر الله، إذ الحقد مرض قلب مظلم وإنما ينير القلب ويطهره الذكر.

 

 أيها الإخوة:

قد يعتدي أخ على ميراث أخته من أبيهما فتحقد عليه، ولعلها لعلّةٍ في نفسها تحقد

عليه ولم يكن منه اعتداء.

وقد يتطاول جار على جاره في البنيان فيحقد عليه الثاني، ولعله لعلّةٍ في نفسه يحقد عليه ولم يكن منه التطاول.

قد يغدر صديق بصديقه فيحقد عليه الثاني، ولعله لعلّةٍ في نفسه يحقد عليه ولم تكن

منه أذية.

ولعل زوجاً يطلق زوجته ظلماً فتحقد عليه، ولعلها لعلة في نفسها تحقد عليه ولم

يكن منه ظلم.

ومهما يكن من أمر فإننا على موعد مع ليلة المغفرة يتبعها أيام رمضان ولياليه

العظام، والمأمول من كل ظالم أو معتد أو مسيء أن يسترضي خصمه ليزيل الأحقاد، والمأمول من كل حاقد من دون سبب إلا سوادَ نفس وظلمةَ قلب أن يرمي حقده وراء ظهره وأن يبرّ المحقود عليه ليبدل الذم مدحاً والكبر تواضعاً والقطيعة وصلاً.

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب     ولا ينال العلا من طبعه الغضب

أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله؟: «تفتح أبواب الجنّة يوم الاثنين، ويوم الخميس. فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئاً إلّا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا. أنظروا هذين حتّى يصطلحا.

أنظروا هذين حتّى يصطلحا» [مسلم].

وعنه رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا، ولا تدابَرُوا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله» [البخاري].

والحمد لله رب العالمين          

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 243
تحميل ملفات
فيديو مصور