الأربعاء 07 محرم 1440 - 19 سبتمبر 2018 , آخر تحديث : 2018-09-10 14:38:13 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2018-03-19 الساعة 09:48:01
معلمون مربون
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]

قال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94].

أخرج الإمام الترمذي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله وملائِكَتَه وأهْلَ السَّمواتِ والأرضِ حتى النَّملةَ في جُحْرِها، والحيتان في البَحْرِ لَيُصَلُّون على مُعَلِّم الناس الخيرَ»

روى الإمام مسلم عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يبعثْني

مُعْنِّتاً ولا مُتَعَنِّتاً ولكن بعثني مُعَلِّماً مُيَسِّراً» [مسلم].

    عنوان خطبة اليوم: معلمون مربون

أيها الإخوة:

لئن تحدّثت الخطب الماضيات عن أمهات مربيات وآباء مربين وأسر مربية، فإن

خطبة اليوم تتحدث عن معلمين مربين، ذلك لأن ميمات التربية أربعة المنزل و

المدرسة والمسجد والمجتمع.

وتتكامل العملية التربوية بين هذه الأربعة لتخرج فرداً صالحاً وجيلاً ناجحاً.

والأصل في كل معلم أنه مربٍّ – كما تعلمون-، وأذكر أنني عندما خطبت فيكم عن

تربية الأبناء عرّجت على مسألة اختيار مدرسة الابن لما لها من أثر في تنشئَتِه وتربيته، ذلك لأن الابن سيجتمع بمُدَّرِس أو مُدَّرِسة وسيُسْقِط علاقته بأمه على

مُدرِسَتِه

، وعلاقته بأبيه على مُدَرِسِه، سيلتقي هناك الكبار وسيحاكيهم ويقلدهم، في مشيتهم

في كلامهم في لباسهم في محبوباتهم في تعبيراتهم...!

وإليكم الملاحظات الآتية:

1-  لا تستعجلوا بإرسال أبنائكم للروضات، فلن يجد طفل أفضل من أمه وأبيه،

رعاية وحناناً وتأديباً وتعليماً.

2-  أفضل سنّ للالتحاق بالروضة الخامسة وما بعد، جاء في كتاب سيكلوجيا طفل الروضة: (كلما طالت فترة الحرمان العاطفي أو البعد أو الفراق زاد التأخر – أي التأخر في التحصيل العلمي والخلقي والتربوي- وخاصة في السنوات الأولى، حيث تزداد

معاناة الطفل الوثيق الصلة بأمه، وتقل هذه المعاناة إذا حدث ذلك بعد سن الخامسة، وبالفعل فإن الأطفال الذين يعانون من الحرمان يكونون أقل كفاءة أبوياً من أولئك

الآخرين فيما يتعلق بحسن تربيتهم لنسلهم).

3-  الديكورات والألوان وارتفاع الأسعار؛ معايير لا تكفي في اختيار مدرسة ابنك.


4-  السلامة والنظافة والتهوية والنشاطات معايير مهمة في اختيارك مدرسة ابنك.


5-  الخلفية الدينية والتربوية والأخلاقية للمدرسيين والإداريين مهمة أكثر في

اختيارك للمدرسة.

 

وها أنا أضع بين أيديكم نموذجاً واحداً – يسمح به الوقت- لمعلم مربٍّ أثّر فيمن

بعده، لعلنا نعرف قدر المعلم فنكرم شخصه وعمله، ولعل معلم اليوم يعرف قدر نفسه فيضعها حيث ينبغي. إنه الشيخ علي الطنطاوي، أديب الفقهاء وفقيه الأدباء.

فقد عمل في التدريس في كل مراحله، وفي عدد من البلاد العربية؛ يقول في ذكرياته:

(لقد كان الذين كانوا يعملون معي -أو كنت أنا أعلّم معهم في المدارس الابتدائية-

هم من جِلّة مشايخنا ومن كبار زملائنا. علماء كبار وأدباء معروفون، حسبكم أن

منهم شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار وشيخنا الشيخ حامد التقي، وأن منهم

الطبيب الشيخ رفيق السباعي وأن منهم الشيخ سعيد البرهاني. أمثال هؤلاء كانوا

معلّمين في الابتدائية، وكان من المعلّمين سعيد الأفغاني وسليم الزركلي وأنور

العطّار وجميل سلطان وأمجد الطرابلسي، هؤلاء الذين صاروا أدباء البلد وشعراءها.

ما كنت ولا كان كثير من إخواني نَعُدّ أنفسنا معلّمين فقط، وما كنّا نرانا مسؤولين

أمام وزارة المعارف وحدها، نطبّق مناهجها ونطيع أوامرها؛ بل كنّا نُعِدّ الجواب

للسؤال يوم العرض على الله: السؤال عن تربية الأولاد على ما يُرضيه، على

الشريعة التي بُعث بها خاتم رسله، عن تخريج أمة جديدة تؤمن بالله إيماناً خالياً من

الشرك كله، الظاهر منه والخفي. تخاف الله ولا تخاف في الحقّ أحداً إلاّ الله، تستهين

بعذاب الدنيا مهما اشتدّ للخلاص من عذاب الله في الآخرة وهو أشدّ. كنّا نلقّنهم

العقيدة سالمة من الشوائب، ونعوّدهم العبادات بعيدة عن الرياء، والسلوك الذي

يحبّبهم إلى الناس ولا يكرّههم إلى الله. فإن جاء أمرٌ فيه تركُ واجبٍ أو فعلُ حرام

فلا مبالاةَ حينئذٍ بحبّ الناس ولا خوفَ من كرههم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

كنّا نعيد عليهم كل يوم أن هذه البلاد لنا، وأن الفرنسيين واغلون علينا عادون على حقّنا، ومن يعاونهم منّا أعدى منهم علينا، وإن كان في الظاهر منّا.

لا نلقي عليهم في ذلك كله محاضرات فلسفية ولا خُطَباً بليغة أدبية، بل نكلّمهم

باللسان الذي يفهمونه. لا نجمعهم لذلك بل نتبع سنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله: كلمة هنا وكلمة هناك، وكلّ كلمة في موضعها وكل كلمة عند مناسبتها، يحفظها من يحفظها وينساها من ينساها ولكن لا يضيع أثرها أبداً. من

سمعها حملها إلى أهله فبلّغهم وبلّغ أصحابه إياها، ورُبّ مبلَّغ أوعى من سامع، أو يحفظها في ذاكرته حتى يكبر فيدرك معناها، كما تحفظ الصحراء بذور الكلأ حتى يأتي المطر فتخضرّ منه الصحراء.

وما خرجوا جميعاً متعبّدين صالحين ولا وطنيين مخلصين، ولا صاروا أئمة في الخير جمعوا أسبابه واستكملوا مزاياه، بل اقتربوا منه وأحبّوه.

 وما كنت أنا ولا كان إخواني من المدرّسين من الصالحين الكُمَّل، ما نحن إلاّ ناس عرفوا طريق الحقّ فجئنا ندلّ عليه، ...لقد عرفتم أني علمت في المدارس الأولية في القرى وفي المتوسطة والثانوية وعلمت في جامعات كثيرة وفي أقسام الدراسات العليا

في هذه الجامعات وأشرفت على إعداد رسالات الماجستير والدكتوراه وعلمت بنين وبنات ومشايخ في كليات الشريعة وفي المساجد فهل تريدون أن أخبركم بالذي رجعت

به بعد هذه الجولة الواسعة التي شملت الشام والعراق والسعودية ولبنان ومصر، وامتدت خمساً وخمسين سنة؟

أقول لكم الحق: لقد وجدتُ أنه ليس شيء أبرك ولا أنفع للناس ولا أجمع للثواب من تعليم تلاميذ المدارس الابتدائية.

معلِّم الابتدائي هو الأساس، والبناء الذي حدَّثونا عنه في أميركا وقالوا: إن فيه مائة

طبقة بعضها فوق بعض لا يقوم ولا يُنتفع به إن لم يحمله أساسٌ متين غائص في الأرض، والأساس لا يُرى، ولكن البناء لا يقوم إلا عليه، هذا الأساس هو التعليم

الابتدائي، لا يراه الناس على حقيقته، ولا يُقدِّرونه قدره.

إن ضعف معلم الابتدائي لا تُصلحه قوة مدرس الثانوي، ولا أستاذ الجامعة)

[ذكريات ج 3، ص 320].

ويقول عندما عين مديرا لمدرسة في سقبا:

(بدأت بنظافة المدرسة، وهي من عمل الآذن أو الفرّاش ولكن المدرسة ليس فيها

آذن ولا فرّاش، فاقتديت بمَن هو أفضل مني بألف درجة ومن لا أبلغ في العلم ولا

في الدين ولا في العبقرية عُشر مِعشار ما عنده منها: عمر بن الخطاب لمّا أراد أن ينظّف بيت المقدس ممّا ألقاه فيه اليهود، عملت مثله:

فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهم               إنّ التشبّهَ بالكِرامِ فَلاحُ

فطلبت مكنسة وأخذت أكنس فناء المدرسة، فأسرع التلاميذ يأخذونها من يدي ويقولون: ماذا تفعل يا أستاذ؟ قلت: أفعل ما فعله ثاني رجل في الإسلام، مَن كان يحكم

ثلاث عشرة حكومة من حكومات اليوم. أنظّف المدرسة. إن المدرسة دارنا فإن لم

يكن عندنا خادم أفنقعد على الأوساخ؟

كنت أخاف إن أمرتهم بذلك أمراً أن يهربوا منه، فلما رغّبتهم فيه ترغيباً وسبقتهم

إليه تزاحموا عليه، فقلت: رتّبوا أنتم أمركم وتقاسموا العمل بينكم، حتى تكون

مدرستُكم نظيفة مثل دُوركم. ثم عملنا على غرس الأغراس وزرع الأشجار في فناء المدرسة، ولم يحتاجوا إلى مَن يعلمهم فقد كانوا أولاد أبرع الفلاحين، فما مرّ شهر

حتى تحوّل الفناء من أرض خراب إلى جُنَينة تُعَدّ تحفة في الجنائن، قام بذلك كله التلاميذ متعاونين).

أيها الإخوة:

ليس في الدنيا مهنة أشرف من مهنة الأنبياء؛ إنهم معلمون مربون مزكون

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]

ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَحْوَال الْمُعَلِّمِ أنه أَشْرَفُ الأْحْوَال، فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِل وَعَلَّمَ فَهُوَ الَّذِي

يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ كَالشَّمْسِ تُضِيءُ لِغَيْرِهَا وَهِيَ وَضِيئَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَكَالْمِسْكِ الَّذِي يُطَيِّبُ غَيْرَهُ وَهُوَ طَيِّبٌ.

أعَلِمْتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي             يبني وينشئ أنفساً وعقولا

فيا أيها المعلمون:

خذوا بأيدي أبنائنا وارقوا بهم في سلّم الآداب وجملوهم بأحسن الأخلاق وألبسوهم

حللاً جميلةً من الأفعال والأقوال، لترقوا بمجتمعاتنا إلى ما يرضي الله ورسوله.

 واذكروا قول ابن جماعة قاضي مصر والشام، وخطيب الخطباء وشيخ الشيوخ:

(واعلم أن الطالب الصالح أعودُ على المعلم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس

عليه، وأقرب أهله إليه. ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينفع الله بعلمه وهديه

 لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى؛ فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به

إلا كان له نصيب من الأجر).

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 258
تحميل ملفات
فيديو مصور