الثلاثاء 09 ربيع الثاني 1440 - 18 ديسمبر 2018 , آخر تحديث : 2018-11-22 17:03:55 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

منابر دمشق

تاريخ النشر 2018-03-11 الساعة 08:48:06
أسر مربية
الدكتور الشيخ محمد خير الشعال

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]

قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهٌ: قُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ وَقُوا أَهْلِيكُمْ بِوَصِيَّتِكُمْ. وقال: علموهم وأدبوهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع،

 ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في

بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها» [البخاري]

عنوان خطبة اليوم: أسر مربية

أيها الإخوة:

في زحمة هذه الحياة ومع دخول أجهزة الاتصال ومواقعه إلى بيوتنا بتنا بحاجة أكبر

إلى العناية بالتربية داخل البيوت، ذلك لأن الابن والبنت إن لم يكن محصناً بالتربية

والعلم داخل بيته فإن غزوه سهل وإن أخذه من بين أيدينا سريع، وإن حسرات ذلك

عائدة على نفسه أولاً ووالديه ثانياً والمجتمع عامة ثالثاً.

من أجل هذا عزمت أن أخطب اليوم عن أسر مربية بعد أن خطبت عن آباء مربين

وأمهات مربيات، لنشد الهمم في العناية بالتربية داخل أسرنا لتكون الأسرة سعادة

الفرد وقوة المجتمع.

الأسرة لغةً: الدِّرع الحصينة، مأخوذةٌ من الإِسار، وهو: ما يُشَدُّ به الشَّيء، وهي

أهل الرَّجل وعشيرته ورهْطه الأدنون، لأنَّه يتقوَّى بهم ويشد عضده بهم. ولأن

المجتمع يقوى بالأسر القوية.

يقول ابن خلدون: (إنَّ الدُّول ترقى وتنحط بقدر ما تكون الأُسر فيها قويَّةً أو ضعيفةً).

ها أنا أضع بين أيدي الأسر نماذج لأسر مربية نهضت بالأمة يوم نهضت بأفرادها،

لعلنا نسلك سبيلهم ونتعلم منهم فنخرج من الأبناء مثل ما خرجوا.

أولها: أسرة الحافظ المزي:

الحافظ المزي هو الشيخ الحافظ الكبير محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج يوسف

بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف. المشهور بالمزي نسبةً إلى "المِزّة" محل إقامته،

قالوا عنه: شيخ الزمان وحافظ العصر لم تر العيون مثله ولا رأى مثل نفسه، وهو

صاحب كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" من أهم وأحسن وأجمع الكتب التي

أُلفت في علم الرجال.

نظرت في أسرة الحافظ المزي فوجدت أن المزي بدأ بتوجيه من أبيه في تلقي

دراساته العلمية، فحفظ القرآن وهو صغير ثم اتجه إلى دراسة الفقه على مذهب الشافعي، ثم عكف على العربية، ثم اتجه للحديث النبوي الشريف.

ولما شب المزي وكان قد نهل من هذه العلوم تزوج من سيدة فاضلة لها دراية

بالكتاب والسنة، عائشة بنت إبراهيم بن صديق، سمعت من أبي الفضل ابن عساكر

وغيره، وكانت تحفظ القرآن وتلقنه للنساء... وصفها ابن كثير وكان زوج ابنتها:

كانت عديمة النظير، لكثرة عبادتها، وحسن تأديتها للقرآن، تفضل في ذلك على كثير

من الرجال، وأقرأت عدة نساء وختمن عليها وانتفعن بها، وكانت زاهدة في الدنيا متقللة منها.

ورزق المزي من زوجته عائشة بأربعة أولاد عبد الرحمن وأبي بكر وأحمد وزينب، و

 قد حرص على تربيتهم تربية دينية وعلمية، فأسمعهم الحديث كثيراً، وكتب لهم

السماع بحضرته.

وخطب الحافظ المزي لابنته زينب تلميذه عماد الدين ابن كثير المفسر المحدث

المؤرخ صاحب تفسير ابن كثير فتزوجها.

وهكذا تجدون أبا محباً للعلم وابنا منصرفاً له ويتزوج الابن من امرأة لها دراية في

 الكتاب والسنة وينجبان أطفالا يوجهونهم للعلم والتربية ويصاهر عالماً بالكتاب والسنة.

فمهما استطاع أفراد الأسرة مجتمعين أن يدعموا العمل التربوي والحياة العلمية

لأفرادها فليفعلوا إذ التربية حلقة متكاملة يرسم بداية خطها الأب وتتمه الأم ويكمله الأبناء والأحفاد لتكتمل الحلقة التربوية في بيت المسلم.

ثانيها أسرة الحافظ الذهبي:

الحافظ الذهبي هو شمس الدين أبو عبد الله، محمدُ بن أحمد بن عثمان الدمشقي،

ولد سنة 637هـ في قرية كفر بطنا من قرى ريف دمشق، قالوا عنه: (بحرٌ لا نظيرَ

له، وكنزٌ، هو الملجأ إذا نزلتِ المعضلةُ، إمامُ الوجود حفظاً، وذَهَبُ العصر معنىً و

لفظاً، وشيخُ الجرح والتعديل، ورجلُ الرجال في كل سبيل، كأنما جُمعَت له الأمةُ في صعيدٍ واحدٍ فنَظرَها، ثم أخذ يُخبِر عنها إخبارَ من حضرها).

وقالوا: حافظ لا يجارى ولا فظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه).

نشأ الحافظُ الذهبي في أسرة ثريةٍ محبةٍ للعلم، معروفةٍ بالبر والصلاحِ، فقد عمل

والدُهُ بالذهب المدقوق وبرعَ، وطلبَ أبوه العلمَ، وكان معروفاً بقيام الليل، سمع "

صحيح البخاري" من المقداد بن هبة الله القيسي، وقرأه لابنه.

وقد حصَّل من صنعته مالاً وفيراً، أنفق كثيراً منه في وجوه الخير، ومن عملِ والده بالذهب جاء لقبُ إمامنا الذهبي.

وعمته ست الأهل بنت عثمان وهي أمه من الرضاعة حصلت على إجازات من كبار شيوخ عصرها في الحديث وقد أخذ الذهبي عنها. وكان جده عثمان حسن اليقين بالله وكان يعتني بنطقه، ويدربه على التعبير السليم.

وكان خاله علي بن سنجر "كان ذا مروءة وكدّ على عياله وخوف من الله".  وكان

 جده لأمه علم الدين سنجر، وابن خاله إسماعيل بن علي بن سنجر، وزوج خالته

أحمد بن عبد الغني المعروف بابن الحرستاني، وأخوه من الرضاعة داود بن ابراهيم. كلهم كانوا من المشتغلين بالعلم.

وهكذا فقد نشأ الذهبي في عائلة متدينة متعبدة، وكان لكثير من أفرادها حظ جيد من

 العلم. وتأدبَ الفتى بآدابِ من حوله، واقتدى بهم من أهلٍ وأرحام، ثم دفعتْهُ أسرتُهُ

لطلب العلمِ والتربيةِ عند العلماء والصلحاء، فتتَلمذَ على كثيرٍ من علماء دمشقَ وما

حولها وبصرى الشام وحماة والمعرَّة وحلب وسرمين وبعلبك وطرابلس، وفلسطين

والأردن ومكة والمدينة ومصر، وقد بلغَ عددُ أساتيذهِ وشيوخِهِ ألفاً وثلاثمائة، طافَ عليهم في أربعين بلدةٍ، وقد تتلمذ على الذهبي خلق كثير، كتب أحد تلامذته يقول فيه:

ما زلتُ بالسمع أهواكم وما ذُكِرت

أخبارُكم قطُّ إلا مِلتُ من طرب

وليس من عَجَبٍ أن مُلتُ نحوَكُمُ

فالناسُ بالطبع قد مالوا إلى الذهب

ثم إن الحافظ الذهبي تزوج بفتاةٍ صالحةٍ من كفر بطنا، أنجبتْ له ثلاثةَ أولادٍ، بنتاً

وصبيين، وكان لأولادهِ الثلاثة ولأحفاده وأسباطه منهم حظٌّ وافرٌ من العلم والأدب؛

حتى أخذَ عنهم الناسُ وتأدَّبوا بهم،

رَبَتْ مصنفاتُهُ على المائتين. مات الحافظ الذهبي سنة 748 بدمشق، ودُفن بمقبرة

الباب الصغير،

فمهما استطاع الشاب الأعزب والفتاة أن يبحث عند زواجه على من تكمل هي و

أهلها حلقة التربية لأولاده القادمين فليفعل فإن النساء يلدن اشباه إخوانهن و

أخواتهن وإن من اختار زوجته فقد اختار أولاده.

ثالثها: أسرة ابن الأثير الجزري:

مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ثم

الموصلي ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة في جزيرة ابن عمر، وهي بلدة فوق الموصل؛ له كتابان عظيمان في علم الحديث أحدهما (جامع الأصول في أحاديث الرسول) والثاني (النهاية في غريب الحديث والأثر).

وله أخ هو عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة وله كتابان عظيمان في علم التاريخ (أسد الغابة في معرفة الصحابة) و(الكامل في التاريخ)

ولهما أخ ثالث هو ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الشيباني

الجزري ولد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وله كتابان عظيمان في الأدب العربي (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) و (البرهان في علم البيان).

إذاً هم ثلاثة إخوة أحدهما محدث والثاني مؤرخ والثالث أديب، وكلهم يقال له ابن

الأثير الجزري.

وأبوهم محمد بن عبد الكريم الشيباني لقب بأثير الدين، كان تاجراً ثرياً معروفاً

بأمانته ورجاحة عقله وبره بأهل جزيرة ابن عمر عهد إليه بولاية الجزيرة وتولى

خراجها فلم يثقل على الناس في تحصيل المكوس. فبارك الله له في أولاده برحمته

بأهل بلده وبره بهم.

فمهما استطاع أفراد الأسرة أن يبروا بالخلق ويرحموهم رجاء أن يرحم الله أفراد

الأسرة ويبارك فيهم فلتفعل فإن السنن الإلهية قضت بأن المكافأة من جنس العمل.

 

أيها الإخوة:

لو أردت أن أسرد لكم أخبار أسر مربية من ماضينا وحاضرنا لطال بي المقام، ولكن

أدعو كل أسرة من أسرنا كما دعوتهم قبل عشر سنوات إلى ثلاث ساعات، ساعة

يومية وساعة أسبوعية وساعة شهرية.

فساعة يومية على أقل تقدير يجتمع فيها أفراد الأسرة مع بعضهم يتحادثون و

يتحاورون ويتسامرون ويتجاذبون أطراف الحديث ويحدث كل منهم الآخرين بآماله وآلامه.

وساعة أسبوعية على أقل تقدير يجتمع فيها أفراد الأسرة في مجلس علم في واحد

من مساجد هذه البلدة المباركة يذكرون الله معا ويتعلمون علوم الشريعة مجتمعين.

وساعة شهرية على أقل تقدير تجتمع فيه الأسرة الصغيرة مع العائلة الكبيرة مع

الأعمام والعمات والأخوال والخالات والأجداد والجدات لَنَنْعَمَ جميعاً بصلة الرحم،

وبركاتِها، وليستفيدَ الصغارُ من تجارب الكبار.

ثم أكثروا من القول ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين

إماما.

والحمد لله رب العالمين

 

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 394
تحميل ملفات
فيديو مصور