الأربعاء 03 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018 , آخر تحديث : 2018-11-22 17:03:55 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب مدير الأوقاف

تاريخ النشر 2018-07-17 الساعة 17:12:49
ثمرات حسن الخُلُق /2/
فضيلة الشيخ أحمد سامر القباني

بتاريخ: 29 من شـــــــوال 1439 هـ - 13 من تــــمــوز 2018 م.

الحمد لله، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، حمداً لك ربي على نعمائك، وشكراً لك على آلائك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صفيه من بين خلقه وحبيبه، خير نبي اجتباه وهدى ورحمة للعالمين أرسله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

وبعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم وإياي على طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير.

فضمن المنهج العام لخطب الجمعة، ما زلنا -أيها الإخوة الكرام- نتحدث عن موضوع هام جداً في ديننا العظيم وهو موضوع الأخلاق، فمِن أجله بُعث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، بُعث لِيُتمم مكارم الأخلاق، والأخلاق جزء مِن الإيمان، فـــ ((الإيمان بِضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)).

وانطلقنا إلى قول ذلك العالِم النِّحرير الفقيه الجليل المحدث الكبير سيدنا عبد الله بن المبارك
رضي الله تعالى عنه، الذي يَذكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء أنَّه أَخذ عِلمه عن أربعة آلاف شيخ، عِندما سُئل عن حُسن الخلق فقال:
]حُسن الخلق: بَسط الوجه[ أن يَكون الإنسان مُستبشراً دائماً مُبتسماً مُيسراً على الناس لا مُعسراً، لا أن يكون عبوساً قمطريراً ومُعسراً ومُشدداً ومُتطرفاً، فقال: ]حُسن الخلق: بَسط الوجه، وكَفُّ الأذى، وبَذل المعروف[.

ثم تكلمنا عن ثمرات حُسن الخلق، ووقفنا عند الثَّمرة الأولى وهي أنَّ مَن يَكون في حياته حَسَن الخلق فأول ثمرة أنَّه امتثل أمر الله عز وجل وأمر رسوله، وأطاع الله ورسوله، والسؤال: إذا أطاع اللهَ ورسولَه فماذا يجني؟ نقرأ في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ]النساء: 13[، ونَقرأ في كتاب الله عز وجل:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّـهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
]النور: 52[، ونقرأ في كتاب الله
عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
]الأحزاب: 71[، نُلاحظ التركيز في القرآن الكريم على أنَّ الإنسان الذي قاوم نفسه الأمارة بالسوء وانتصر على إبليس وأعوانه شياطين الإنس والجن فقد فاز.

وقلنا: إنَّنا في هذه الحياة في سِباق، فليس عبثاً أن يَأتي التَّعبير في القرآن دائماً عَمَّن يُطيع الله ورسوله: ﴿وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿فَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فأنت مُنتصر إذا أَطعت الله ورسوله، مُنتصر على شهوات نفسك، على نفسك الأمارة بالسوء، على إبليس وأعوانه وجنوده الذين يدعونك دائماً إلى أن تكون إنساناً سَيء الأخلاق، إلى أن تكون إنساناً مُتحللاً مِن الفضائل، إلى إنسان يقترف المخالفات، يُريدون منك أن تكون إنساناً خالي الوفاض، لَست بصاحب قضية ولا مبدأ، ولا عندك في الحياة هدف تَسعى إليه، تعيش مِن أجل أن تأكل وتشرب وتنام وتشتري وتبيع، ثم بعد ذلك يُوارى أحدنا في القبر ويذهب دون أن يَضع بَصمة في هذه الحياة الدنيا، هذا ما لا يريده الله.

حُسن الخلق طاعةٌ لله ورسوله، يَقول الرسول صلى الله عليه وسلم -والحديث عند الحاكم وأحمد والدارمي والترمذي، وراوي الحديث سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه- يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر، اتق الله حيثما كنت -وقفنا عند هذا الحديث في الخطبة الماضية-
يا أبا ذر، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها،
-إذا قُمت بسيئة فافعل بعدها حسنة، فإنه كما ورد في القرآن: ﴿إِنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾
] هود: ١١٤[- وخالق الناس بخلق حسن))، خَالق: فعل أمر، والأمر للوجوب، فالأخلاق ليست أمراً اختيارياً، يمكنك أن تكون أخلاقياً أو غير أخلاقي، الأخلاق أمر من الله واجب عليك، وفرائض الإسلام لا تقتصر على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، أبداً، الأمانة فرض، والصدق فرض، والوفاء بالوعد فرض، وإنجاز العهد فرض، وإتقان العمل فرض، والنزاهة فرض، والاستقامة فرض، والمروءة فرض، الأخلاق كلها فروض، ((خالق -فعل أمر- خالق الناس بِخُلق حَسَن)).

((اتق الله حيثما شئت))، وقفنا عند هذا الحديث ونحن نُفسر قول سيدنا عبد الله بن المبارك العالِم الجليل الذي وُلِد سنة ثماني عشرة ومئة للهجرة، وأَخذ عِلمه عن كثير مِن التَّابعين الذين لَقُوا صَحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومِن تلاميذ الإمام عبد الله بن المبارك سفيان الثوري المجتهد المطلق، وما أكثر تلاميذه يُعدون بالآلاف وليس بالمئات، وأخذ علمه عن أربعة آلاف شيخ، هذا الرجل عندما تَقرأ قصته -ونحن مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله حيثما شئت))- تَرى شيئاً عجباً، هذا الرجل كان أبوه مولى، ومعنى مولى أي عبداً، وسبق أن تحدثنا بأن الإسلام لم يأتِ بالعبودية، الإسلام جاء فوجد العبودية موجودة منذ آلاف السنين قبل الإسلام، فكانت العبودية أمراً مَوضوعاً بين الناس مُتعارفاً عليه، أمراً واقعياً، فجاء الإسلام مِن أجل أن يُحرر الناس لا ليستعبد الناس، ويقول سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)؟! فإذا حَلفَ شخصٌ يميناً وأراد أن يُكفر عنها وجب عليه إعتاق رقبة، وإذا ظَاهر مِن زوجته فأراد أن يَتحلل مِن هذا الظهار وجب عليه أن يُعتق رقبة، وإذا حصل معه أمرٌ مُناف للصيام في رمضان كَلِقاءِ زَوجته وجب عليه أن يُعتق رقبة، وإذا قَتَل مُؤمناً خَطَأً وَجب عليه أن يُعتق رقبة، هذا بنص القرآن، لذلك جاء الإسلام لِيُحرر الناس مِن العبودية، العبودية كانت أمراً موجوداً واقعياً عند الأمم كلها مِن غير استثناء، فكان والد عبد الله بن المبارك اسمه مُبارك، كان مبارك عبداً عند رجل غني جداً في "مرو" اسمه نوح بن مريم، فقال له نوح بن مريم -مِن كبار الأثرياء والأغنياء ولديه ابنة جميلة جداً وثرية وذات دين وخلق وعلم- قال له: يا مُبارك اذهب إلى الكَرم فاحرسه واعتني به، عِنده بساتين طويلة جداً مِن كروم العنب، اذهب واحرسها حتى لا تَطالها الأيدي، واخدمها: تحتاج إلى سقاية وتحتاج إلى عناية، اعتني بها، ذهب فغاب شهرين في الكروم، في كروم العنب، فذهب نوح بن مريم إلى الكروم ليتفقد زَرعه، مكان بعيد عن مكان إقامته، ذهب فَلَقِيَ مُبارك، فقال له: يا مُبارك ايتني بعنقود مِن العنب، فأتاه بعنقود من العنب، فتذوقه فإذا هو حامض، قال له: اذهب واتني بغيره فهذا ليس بطيب، فذهب فأتاه بعنقود آخر، فإذا به أيضاً حامض، قال: يا مُبارك اذهب وتخير وانتق عنقوداً آخر، فهذا ليس بطيب إنه حامض، فذهب فأتاه بالثالث فإذا هو أيضاً حامض، فغضب نوح بن مريم -مِن أعيان الناس، مشهور جداً- غَضب فقال له: ما هذا يا مبارك، أقول لك اذهب واتني بعنقود من العنب حلو فلا تعرف حلو العنب مِن حامضه؟ قال: والله يا سيدي لا أعرف، قال:
أما تَذَوَّقتَه؟ قال: لا والله ما تَذوقته، أرسلتني لأحرسه وأعتني به لا لآكله، قال: ما تذوقت مِنه شيئاً؟! قال: لا والله، قال: فاجلس فإني أريد أن أَستشيرك، انظر إلى مُراقبة الله، لو أكل فَهو حَلال،
هو مولى، وصاحب البستان سيده، فلو أكل فهو حلال، لكن ما عِنده إذن، انظروا إلى هذا الورع، وإلى مُراقبة الله عز وجل: ((اتق الله حيثما كنت))، قَال: اجلس فإني أريد أن أستشيرك، قال: نعم يا سيدي، قال: عندي ابنة ذات حُسن وجمال وأدب وخلق وعلم، وتقدم إليها فلان وفلان وفلان، فلان مِن ذوي الحسب والنسب والأصل، وفلان عنده المال الكثير، وفلان جميل جداً، كل المواصفات، فَمِمَّن أُزوجها؟! قال: يا سيدي، سَمِعنا أنَّه في الجاهلية كانوا يُزوجون للحسب والنَّسب، وكان غيرهم يُزوج كذلك للمال، وكان بعضهم يُزوج للجمال، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نُزَوِّج على الخلق والدين، وكلكم يَحفظ هذا الحديث: ((إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخلقه فَزَوِّجوه))، قال: وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُزوج على الخلق والدين، فقال: صَدقت، فذهب إلى ابنته وأخبرها بكلام مُبارك، وقال: ما رأيك أن تَتزوجيه؟ أعتقه ثم بعد ذلك تتزوجيه، قالت: أترضى خلقه ودينه، -صاحب أخلاق الرجل؟- قال: نعم، قالت: فَلَك ما تأمر، قال: فأعتقه ثم زَوَّجَه ابنته، فَوَالِدَةُ سيدنا عبد الله بن المبارك تكون ابنة نوح بن مريم، وأبوه هو ذلك الرجل الذي لم يتذوق عِنبة واحدة مِن كَرْمٍ جَلَس فيه شهرين وهو يُراقب رب المال ويُراقب رب الأرباب سبحانه وتعالى.

أروي لحضراتكم هذه القصة أيضاً، هذه القصة أخرجها الإمام البيهقي في شعب الإيمان، وكذلك أخرجها الإمام الطبراني والإمام الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجاله رجال الصحيح، والحديث صحيح لكن هذا الحديث ليس حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنه عن واحد مِن صحابته الأبرار الكرام، يقول الإمام البيهقي: قال زيد بن أسلم: مَرَّ عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه -الذي كان أشبه الناس بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، يتتبع كل أفعال سيدنا الرسول ويفعل مثلها، فكان راكباً دابته يَوماً فَمَرَّ على شجرة فَدَار حولها دَورتين ثم أكمل طريقه، فقالوا له: لم فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب دابته فَمَرَّ مِن هذا الموضع فَدَار حول الشجرة دَورتين ثم أكمل طريقه، ففعلت مثله- عبد الله بن عمر -كما يروي البيهقي وهؤلاء المحدثون الأعلام وكذلك ابن عساكر، يُحدث عنه زيد بن أسلم أنَّه مَرَّ سيدُنا عبد الله بن عمر- مَرَّ على راَعٍ للغنم ومعه غنم كثير، فقال له: يا راعي الغنم، هل مِن جزرة، الجزرة نوع مِن أنواع الغنم الذي عُمره ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، فقال: ليس ها هنا ربها، أي صاحب الأغنام ليس هنا، قال: ومَن أنت، قال: أنا مولاه، قال: قل له: أكلها الذئب، قال: فنظر في السماء فقال: فأين الله، فقال عبد الله بن عمر: فوالله عَلِمت أنَّه من أهل التقوى والصَّلاح، فذهب إلى مولاه فاشتراه منه واشترى الغنم، فأعتقه وأعطاه الغنم، انظر: فأين الله؟!.

بِنتٌ قَالت لها أمها في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قالت: امذقي اللبن بالماء، اللبن أي الحليب، امذقي أي اخلطي، قالت: يا أماه، أما سَمِعتي عمر رضي الله تعالى عنه، أما سمعتي عمر ينهانا عن ذلك؟! قالت لها: فأين عمر حتى يَراكِ، قالت: يا أماه، إذا كان عُمر لا يراني أفلا يَراني رب عمر، وسيدنا عمر يَستمع مِن الباب، قالت: والله ما كُنت لأطيعه في الملأ مِن الناس وأعصيه في الخلا، يعني أخالف أمره إذا خَلوت، فأخذها فَزَّوجها ابنه.

انظر إلى ثمرة مُراقبة الله عز وجل، وهو آنذاك الخليفة، انظر: ((اتق الله حيثما كنت))،
أنت في شركة، أنت مؤتمن على أموال صاحب الشركة، أنت في شركة مَندوب لا يَصح لك أن تأخذ أعمالاً لك خاصة دون عِلم الشركة على اسم الشركة، أمَّا خارج أوقات الدوام أنت حُر، أنت موجود
في عمل يَجب أن تُتقن العمل، إذا كان رب العمل يَراك أو لا يراك، لأن رَبَّ الأرباب سبحانه وتعالى مُطلع عليك، أنت تُريد أن تعصي الله عز وجل في خَلوة اذكر الله.

سيدنا جبريل جاء في هَيئة رَجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سَأله عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فقال: وما الإحسان؟ أخبرني عن الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).

وأروي لحضراتكم هذا الحديث الذي نَختتم به هذه الخطبة: ((اتق الله حيثما كنت))، هذا الحديث يَجب أن نَفهمه بعمق، لأنه حديث مُخيف، هذا الحديث عن سيدنا ثوبان، أخرجه ابن ماجة في سننه، وقال المحدثون: هو حديث صحيح، عن سيدنا ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأعلمن أقواماً يأتون بِحسنات أمثال جِبال تهامة بيضاء))، ما شاء الله، شيء رائع جداً، يعلم رسول الله في علم الغيب الذي عَلَّمه الله إياه ما سَيكون إلى يوم القيامة، يعلم صلى الله عليه وسلم أن هناك أقوام يأتون يوم القيامة بأعمال صالحة كالجبال، كجبال تهامة بيضاء، ما شاء الله، جبال مِن الأعمال، ((يجعلها الله هباء منثوراً))، يا لطيف، كان الصحابة لما يقرؤون كلام الله تعالى يَبكون، ﴿وَقَدِمنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلنَاهُ هَبَاءً مَنثُورَاً﴾ ]الفرقان: 23[، أَمرٌ مُخيف، تَظن أنك أتيت بأعمال صالحة بِصيام بصدقة بزكاة بصلاة بحج، أتيت بأعمال كثيرة، خَدمت الناس، ثم بعد ذلك يوم القيامة لا تجد منها شيئاً، أين ذَهبت الأعمال؟ آية في القرآن تَعرفونها: ﴿وَقَدِمنَا إِلى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلنَاهُ هَبَاءً مَنثُورَاً﴾.

هذا الحديث الصحيح يَقول عليه الصلاة والسلام -أنا أعلم مَن هؤلاء الناس-: ((لأعلمن أقواماً يأتون بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها الله هباء منثوراً))، يا لطيف، فقال سيدنا ثوبان: جَلِّهم لنا يا رسول الله، ألا نَكون مِنهم، يعني لِئَلا نَكون منهم، صِفهُم، جَلِّهم، أَعطِنَا صِفاتهم، حتى يَنجلي لنا الأمر، هذا معنى (جَلِّهم لنا ألا نكون منهم)، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما إنَّهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون مِن الليل كما تأخذون -يقومون الليل- لكنهم إذا خَلَوا بمحارم الله انتهكوها))، اللهم الطف بنا يا رب، لا تجعلنا من الغافلين يا رب، ((لكنهم إذا خَلَوا بمحارم الله انتهكوها))، الأمور المحرمات الممنوعات شرعاً، المخالفات لمَّا لا يَكون أحد يَراهم ينتهكون محارم الله عز وجل، ما هي النتيجة؟ ذَهبت أعمالهم هباء منثوراً، ((اتق الله حيثما كنت –ولو كنت في خلوة- وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)).

ما أحوجنا -أيها الإخوة- في هذا الزمان الذي تَطورت فيه الحياة المادية تطوراً هائلاً، ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديثة أصبحت موجودة عند الكبير والصغير والذكر والأنثى، وفي كل مَوقع مِن مواقع المجتمع، وأصبح العالم في هذا الزمان قرية صغيرة بِفعل هذه الوسائل، وأصبحت المعصية مُتاحة لكل إنسان، والمخالفة الشرعية متاحة لكل إنسان، والغش في العمل مُتاحاً لكل إنسان، وعدم إتقان العمل مُتاحاً لكل إنسان، ما أحوجنا إلى أن يكون هناك وازع مِن الله سبحانه وتعالى، فإن القوانين تَضبط المخالفات التي تَصل إليها، تَصل إلى القضاء، ولكن هناك أشياء وأشياء كثيرة لا تَصل، وبالتالي مجتمعنا يُعاني مِن تَرَهُّلٍ في العلاقات، ومِن تَرَهُّلٍ في الأخلاق، والحل الوحيد لَيس أن نَلتزم بالقوانين فحسب، الالتزام بالقوانين شيء مُهم، لكن الأهم مِن ذلك أن نُراقب الله عز وجل، فنحن أناس مُؤمنون، والإنسان المؤمن عنده وازع مِن الله، البعض نقول عنه: عنده ضمير، والله فلان عنده ضمير، سَمِّه ما شئت، لكن بالنتيجة أن يَكون لَديك مُراقبة مِن الله سبحانه وتعالى، الذي يُخالف الأوامر الإلهية السَّماوية التي جاءت لِسعادة الإنسان هذا الإنسان عنده مُشكلة في التَّفكير، الذي يَعصي الله عز وجل في السِّر ويُخالف التَّعاليم الإلهية في تَعامله مع الناس، فَيَغِشّ دون أن يَعلم به أحد، ويُزَوِّر البضائع دون أن يعلم به أحد، ويُغير تاريخ انتهاء الصلاحية دون أن يعلم به أحد، ويَتَلاعب بالمواصفات دون أن يعلم به أحد، و و و، يَخون الشركة التي يعمل معها ولا يَعمل بإخلاص ويُضيع الأوقات في العمل، لا يتقن العمل والله يُحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، كثيرةٌ الأمور التي يمكن أن يَفعلها الإنسان دُون أن يكون عليه رقيب، هذا الإنسان عنده مشكلة في التفكير، هذه الأمة إذا أرادت أن تَنهض لا يُمكن أن تنهض إلا بأن يَكون كل إنسان فيها مُراقباً لأفعال نفسه.

هناك شُعوب -أيها الإخوة- نَهضت مِن العدم، ألمانيا خَرجت مِن الحرب العالمية الثانية مُنهكة، صارت مِن أقوى الدول عالمياً، اليابان مِن أقوى الدول، ماليزيا بلاد مُتطورة ما كان يَسمع بها أحد قبل سنين قليلة، فقط في وقت قصير صارت مِن أقوى الدول اقتصادياً، ويشار إليها بالبنان، يُقال: الدولة الفلانة، الصناعة الفلانية، كيف حَصل ذلك، سؤال، هل تظنون أن هذا حَصل بتوافقهم فقط على تطبيق القوانين، هذا أمر جداً مُهم، أن يكون هناك تَطبيق للنظام والقوانين هذا أهم شيء، حتى تَرقى الأمم يُوضع قانون ويَلتزم به الجميع، لكن الأهم مِن ذلك أنَّ كُلَّ واحد منهم كان يعمل لِبلده أولاً عنده قوة إرادة للتغيير، ثانياً كان عنده وازع مراقبة أخلاقي من الله سبحانه وتعالى أو مما يعتقده، في اعتقاده يُراقب أفعال نفسه، وانطلق كل منهم مِن نفسه لم يَضع اللَّوم على الآخرين، أنتم السبب أن أمتنا هكذا، وأنت ماذا فعلت؟.

شيء مهم جداً إخواننا، لن نَنهض، لن يكون لهذه الأمة عِزّ ومجد مرة ثانية لأمتنا العربية والإسلامية إلا إذا كان عِندنا إرادة هذا أولاً، وثانياً: قوة في تنفيذ هذه الإرادة، ثالثاً: أن نُراقب أفعالنا وأن ينطلق كل إنسان من نفسه، لا أن يُلقي الأمر على الآخرين، لو أن كل إنسان راقب الله في صلته بالله، فلم ينتهك محارم الله فيما بينه وبين الله، وراقب أفعاله وتصرفاته وتعامله مع الآخرين إذا تعامل مع الخلق والبشر، فإن هذه الأمة ستنهض، وما أحوجنا أن تنهض هذه الأمة في زمان سَبقتنا فيه كل الأمم.

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، استغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 562
تحميل ملفات
فيديو مصور