الاثنين 04 شوال 1439 - 18 يونيو 2018 , آخر تحديث : 2018-06-14 11:27:48 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب مدير الأوقاف

تاريخ النشر 2018-03-06 الساعة 12:14:56
الغيبة وآثارها على المجتمع
الشيخ أحمد سامر القباني

7 من جمـــادى الآخرة 1439 هـ - 23 من شــــــباط  2018 م.

الحمد لله، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، حمداً لك ربي على نعمائك، وشكراً لك على آلائك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صفيه من بين خلقه وحبيبه، خير نبي اجتباه وهدى ورحمة للعالمين أرسله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

وبعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم وإياي على طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير.

ضمن المنهج العام لخطب الجمعة نتكلم -أيها الإخوة المؤمنون- عن موضوع هام جداً في ديننا وهو موضوع الأخلاق، وكيف لا يكون هاماً وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أسباب بعثته المباركة: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، وكيف لا يكون موضوعاً هاماً وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم جُزءاً من الإيمان فقال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))، وقال: ((يا عائشة، إنَّ حُسن العهد مِن الإيمان))، وقال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)).

وبدأنا بالحديث عن علامات حُسن الخلق:

فالعلامة الأولى: بسط الوجه: أن يكون الإنسان مُبتسماً مستبشراً لطيفاً ظريفاً على الناس ميسراً غير معسر.

والعلامة الثانية: بذل المعروف: بأنواعه بما يستطيعه مِن مال أو جاه بين الناس لقضاء حوائج الخلق، يتحرى فيه الإخلاص لله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه بذلك يأتمر بأمر الله ويتأسى بسيد الخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والعلامة الثالثة: كف الأذى: وبدأنا بالحديث عنها في الخطبة المنصرمة.

الرسول صلى الله عليه وسلم -في الحديث الذي أخرجه البخاري، عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه- سُئل: أي الإسلام أفضل؟ -ما أفضل شيء في الإسلام؟- فقال عليه الصلاة والسلام: ((أن يَسلم المسلمون مِن لسانك ويدك))، وفي رِواية الخرائطي في "مكارم الأخلاق"، عن سيدنا عمرو بن عنبسة رضي الله تعالى عنه، أنَّ السؤال كان للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ -ليس: "أي الإسلام أفضل؟"- مَا الإسلام؟ -حَدِّثنَا مَا هُو الدِّين؟- فقال عليه الصلاة والسلام: ((أن يَسلم قلبك لله -تُسَلِّم كل أمورك لله، معنى ذلك أن تُطيع الله ورسوله في كل شيء- أن يَسلم قلبك لله، وأن يَسلم المسلمون مِن لِسانك ويدك))، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه -أي لم يدخل الإيمان إلى قلبه- لا تُؤذوا المسلمين -نهي والنهي للتحريم- لا تؤذوا المسلمين، ولا تُعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن مَن تتبع عورة امرئ مسلم تتبع الله عورته، ومَن تتبع الله عورته يَفضحه ولو في جَوف رحله))، وسيدنا الحسن البصري اجتمع الناس عليه في مكة المكرمة، وهو سَيِّد التابعين، سمعوا أنَّه جاء الحسن البصري فاجتمع الناس عليه، فقام فيهم خطيباً، وكأنه تَذَكَّر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قام فيهم خطيباً، فقال: (يا معشر المؤمنين، مَن سَرَّه أن يَسلم له دينه فَليَكُفَّ يديه عن دماء المسلمين، وليكف لسانه عن أعراضهم، وليكف بطنه عن أموالهم)، وكأنَّه تَذَكَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، عندما وقف وقال: ((يا أيها الناس، إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)).

فإذاً إيذاء المؤمن حرام، لا يجوز أن تؤذي إنساناً مؤمناً في عرضه أو في ماله، أو أن تغتابه أو أن تؤذيه، فتوقعه في مشكلة يُحبس مِن خلالها، أو يَلحقه ضرر في ماله فيفلس، أو تفتري عليه بشيء غير صحيح فتهلكه وتوقعه في المصائب، ومِلاك الأمر كله كما قال سيدنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رَضِيت لأمتي ما رَضِيَهُ لها ابن أم عبد))، مَن هو ابن أم عبد؟ عبد الله بن مسعود، كان قصير القامة نحيلاً جداً، طوله 150سم، وكان مَرَّة يقطع ساقية يُريد أن يذهب إلى الضفة الأخرى، فرفع ثوبه وأراد أن يقطع، فنظر الناس إلى دقة ساقيه، وجدوا أن ساقاه نحيلتان، فضحك بعض الصحابة، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ((أتعجبون -وفي رِواية: أتضحكون- مِن دِقَّة سَاقي عبد الله بن مسعود! والله إنهما عند الله في الميزان أثقل من جبل أحد))، أَتُشاهدون هذين السَّاقين النَّحيفتين! والله عند الله أثقل من جبل أحد، ((رضيت لأمتي ما رضيه لها ابن أم عبد))، كان سيدنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود على جبل الصفا وحوله ناس، فأخرج لسانه وأمسكه بيديه ثم قال: (يا لسان، قل خيراً تغنم، واسكت عن شَرٍّ تَسلم مِن قبل أن تندم)، فقال له الناس: أهذا شيء تقوله أم سمعته مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، بل هو شيء أقوله، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ أكثر خطايا ابن آدم مِن لسانه))، إنَّ أكثر خطايا وآثام وذنوب وعذاب ابن آدم يوم القيامة يَكون مِن ماذا؟ مِن لسانه.

واليوم -أيها الإخوة- انتشر بين المسلمين في كافة أصقاع الأرض ليس في بلد أو قطر أو محافظة أو حي أو أسرة أمر خطير جداً، وهو موضوع الغيبة والنميمة، أمر خطير جداً، لماذا هو أمر خطير جداً؟

أولاً: الإمام الذهبي في كتابه "الكبائر" جَعل الغِيبة مِن الكبائر التي لا يُكفرها كفارة المجلس، تعلمون أنه إذا كُنا جَالسين بمجلس ومزحنا وضحكنا، ما هي السنة أن يقول الإنسان؟ أن يقول كفارة المجلس وهي: ((سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك))، لا يجوز أن نَقوم مِن أي مجلس نَتكلم فيه إلا أن نَقول هذه الكفارة، سيدنا الرسول علمنا لكي يُكفر الله عز وجل لنا خطايانا مِن كل كلام صدر مِنَّا: ((سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك))، قال الإمام الذهبي: هذه لا يُكفرها -الغيبة والنميمة- والله للأسف، لأنها من الكبائر، قال: الغيبة والنميمة من الكبائر؟! قال: نعم مِن الكبائر الغيبة والنميمة، ورد فيها وعيد في القرآن وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يُحصى من الآيات والأحاديث التي تُبين أنه يَترتب على هذا الإثم وعيد كبير يوم القيامة، ولذلك جعلها الذهبي من الكبائر، ترتب عليها عقاب شديد وعذاب شديد مِن الله سبحانه وتعالى.

ثانياً: يقول أحد الدعاة المشهورين عن هذا المرض -مرض الغيبة- يقول: ]الغيبة تدل على الخِسَّة والدَّناءة وصِغر الهمة والنَّفس الوضيعة[، الإنسان صاحب الأخلاق صاحب الهمة العالية الذي يتعلق بِكبار الأمور ولا يتعلق بسفاسف الأمور وصِغارها، الإنسان الرجل الذي يُريد أن يكون مُلتزماً بدينه وشرعه؛ هذا الإنسان لا يغتاب أحداً في المجالس، عَهِدنا مشايخنا في مجالسهم إذا بَدأ الحديث عن إنسان يقول له شيخنا مباشرة: نعم يا بني أين وصلنا؟ اقرأ، يَقطع له حديثه بقوله: اقرأ يا بني مِن حيث وصلنا اقرأ، قَطعتُ له حديثه، لا أريده أن يغتاب وأن يأخذ إثماً، ولا أريد أن نسمع نحن، مَا يَرضون أن يتكلم على أحد في مجالسهم أبداً، لأنهم يعتبرون هذا الأمر الذي صار اليوم مِلح المجالس بدل الموالح نضع فلاناً في المقلاة ونُخرج فلان مِن المقلاة ونَضع واحداً غيره هذا المرض -يقول هذا الداعية- يَدلُّ على الخِسَّة، أن هذا الإنسان الذي يَغتاب الناس إنسان خَسيس فعلاً، لأننا سنرى لماذا هذا الإنسان الذي يغتاب الناس خسيس ودنيء وصغير الهمة، كل واحد يَغتاب هو صغير، إنسان صغير ليس مِن كبار الناس وكبار القوم، قال: ]وهو مِن أعظم الجرائم وأخطر الأمراض الاجتماعية، لأنه يزرع الضغينة ويُنبت العداوة والبغضاء، ويُصيب الأفراد والجماعات في الصَّميم]، يُصيب المجتمع في صميمه، فيكون في هذا المجتمع التقاطع والتدابر ويذهب الوفاء والإخلاص، أين الإخلاص لصديقك؟ أين الوفاء لصديقك؟ والله أنت كنت في مجلس وجدتهم يَتكلمون فتكلمت معهم، يذهب الإخلاص ويذهب الوفاء فيما بين الناس، ويحل محل ذلك الرياء والنفاق والعداوة والبغضاء.

إذاً -يا إخواننا- الإنسان الرجل الكبير كبير في مجتمعه وكبير في نفسه، هناك أناساً كباراً في المجتمع، لكن هو يحتقر نفسه بينه وبين نفسه، لا يَغتاب أحداً في المجلس أبداً، كان أحد مشايخنا رحمهم الله يُذكر شخص أمامه بغيبة، فلان عمل كذا وكذا، يقول له: يا بني غفر الله لنا وله، لكن أنت لست رجلاً، لماذا يا سيدي؟ أنا؟ يقول: نعم أنت لست رجلاً، لو كنت رجلاً كنت تكلمت بوجهه ونصحته بينك وبين نفسه، ما كنت تَكلمت عنه في غِيابه، رحمه الله تعالى، فَكلمة أنت لَست رجل والله لَيست سهلة أمام الناس، يقول له الواحد: أنت لست رجلاً، لكن لماذا؟ لن يعيدها بعد ذلك، نحن بحاجة اليوم لِذلك، مَهما نصحنا لا نَستفيد، الناس في مَجالسها تنتشر الغيبة بِشكل كبير.

* أخرج مسلم في صحيحه، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون ما الغيبة))؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرك أخاك بما يكره))، بغيابه تقول: فلان والله عمل كذا وكذا، وأنت تعلم أنه إذا حُكي هذا الكلام أمامه يَكرهه، فقال واحد مِن الجالسين: يا رسول الله، أرأيت إن كان فيه ما ذكرته، قال: أنا أقول عنه بخيل وهو بخيل، أنا لا أكذب، أقول عنه أنه إنسان فعل كذا وكذا، وهو هكذا فعل، والله لا أكذب، أرأيت إن كان فيه ما ذكرته؟! قال: ((إن كان فيه ما ذكرته فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما ذكرته فقد بَهَتَّه))، قال له: هذا أشد، تَكون قد ذَكرته بما يَكره وتَكذب عليه، هذا اسمه في اصطلاح الشريعة البُهتان، البهتان أمر أعظم مِن الغيبة، فوقها بمرتبة.

* أخرج أبو داود في سننه والترمذي في سننه، عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَتحدث عن زوجته السيدة صفية، فغارت السَّيدة عائشة، وتعلمون أن النساء تغار مِن بعضهن البعض، فقالت: حسبك من صفية كذا وكذا، وأشارت له بقصر القامة، قالت له: يَكفي أنها قصيرة القامة، حسبك يكفيك من صفية كذا وكذا، تعني أنها قصيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَقد قُلت كلمة)) -هي ماذا قالت؟ ما قالت حَسبك مِن صفية أنها قصيرة، ما قالت أنها قصيرة، قالت: حَسبك مِن صفية كذا وكذا- قال: ((لقد قُلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لَمَزَجته))، ماذا يعني: ((لو مزجت بماء البحر لمزجته))؟ رَجعنا إلى شُراح سنن أبي داود فقالوا: مَعنى ذلك أنَّك قُلت كلمة لو وُضعت في البحر لأنتنته وغيرت ريحه وطعمه، الله أكبر كم هو البحر كبيراً، هذه الكلمة التي قالتها فلانة قَصيرة تُنتن البحر وتُغير ريحه وطعمه! الله أكبر، ماذا قالت؟ ما قالت شيء، فكيف لو جاء سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم ويَسمع ما نَتكلمه نحن بمجالسنا، كل واحد يتكلم عن أخيه المؤمن بكلام لا يُمكن أن يُقبل.

* الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة المعراج، أخرج هذا الحديث أبو داود في سننه، لما عُرج به إلى السماء السابعة -تَعرفون حادثة الإسراء والمعراج- مَرَّ على أقوام لهم أظفار مِن نحاس طويل الظفر، يخمشون وُجوههم وصدورهم، فقال: ((مَن هؤلاء يا جبريل؟)) فقال: (هؤلاء الذين يَأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)، الذين يغتابون ويتكلمون عن الناس بأعراضهم، لهم أظافر مِن نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، بسبب الغيبة والوقوع في أعراض الناس. وفي هذا الحديث إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى -وكلكم يحفظ هذه الآيات-: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا –لا والله، فقال ربنا-: فَكَرِهْتُمُوهُ ([الحجرات: 12]، إذا شَخص أخوه مَات يَهون عليه أن يَأكل مِن لحمه، مِن لحم إنسان آدمي؟! أعوذ بالله، فوراً اشمأزت نفوسنا، )أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا -قال ربنا:- فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ( [الحجرات: 12]، إذا تُبتم إلى الله يتوب الله عز وجل عليكم.

والآن ما زلنا في هذه الحياة الدنيا على قيد الحياة، النَفَس يَدخل ويخرج، وبإمكاننا أن نستدرك، أما غداً عند يوم القيامة مُشكلة كبيرة، لماذا مُشكلة كبيرة؟ قال: اسمع هذا الحديث الذي أخرجه البخاري، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان له مَظلمة لأخيه))، ظلم أخوه المؤمن بمظلمة، دم، عرض، غيبة، مال، ((مَن كان له مَظلمة لأخيه مِن عرضه أو شيء -غير العرض، غيبة، نميمة، مال- فليتحلله منه اليوم)) يَذهب إليه ويقول له: سامحني دخيلك، أنت كُنت تُريد مني مئة ألف، هذه مئة ألف، يقول له: أنا في الماضي تَكلمت عنك كذا، يعني كل شخص اغتبناه يجب أن نَستسمح منه؟ اختلف في ذلك الفقهاء، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه أنَّه لا يَجب أن تستسمح مِنه -هذا أصح الروايتين- إذا كان لا يَنبني على ذلك حق مِن عِرض أو مال، لا تكون تكلمت عنه بأمر فقام فلان أكل عليه نقود بسببها فطلق زوجته بسبب هذا الموضوع، قال: إذا كان موضوع غيبة عادية لا داعي أن تَستسمح منه، قال: وإنما يَكفي أن تَستغفر له، كما كان يقول سيدنا الحسن البصري عندما سُئل: ما كفارة الغيبة؟ قال: أن تَستغفر له، تقول: اللهم اغفر لي ولأخي فلان، تتذكر أنَّك ارتكبت غيبة فتقول: [اللهم اغفر لي ولأخي فلان وارحمنا وارزقنا]، ادعو لك وله، قال: كفارة الغيبة أن تَستغفر له، وقال الإمام أحمد: أن تُحسن له في غَيبته كما أسأت له في غيبته، هذه كفارتها، ألست أنت تكلمت عنه بالسوء؟ طَيب أنا إذا أخبرته سوف يتضخم الأمر بالسوء بيني وبينه، ما الحل؟ أن تُحسن إليه في غيبته، فلان والله إنسان حَسَن، يقولون لك: البارحة تكلمت عنه بالسوء، تقول: غفر الله لي، كل إنسان خطاء ويتوب إلى الله، والله الإنسان الحقيقة لا يوجد مثله، تذكر حسناته، هو عنده سيئات، فتذكر حسناته والأمور الإيجابية فيه، هذه كفارة الغيبة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان له مَظلمة لأخيه مِن عرض أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أُخذ مِنه بقدر مَظلمته، وإن لم تَكن له حسنات أُخذ مِن سيئات صَاحبه فحمل عليه))، الله أكبر، يوم القيامة أنت ذَاكر ألفين شخص بِسوء، كل ألف يَأخذون مِنك على كل شخص مِئة ألف حسنة إذا كان عندك حسنات أخذوهم، إذا لم يبق لديك حسنات هذا الإنسان لم يَبق لديه حسنات قال: أُخذ مِن أوزارهم وسيئاتهم فحمل عليه، ثم ألقي معها في النار يوم القيامة والعياذ بالله.

هذا الأمر إخواننا مَرض اجتماعي خطير، لا تَظنون أن الأمر سَهل، نَقلت لكم كلام أحد الدعاة الكبار أن هذا الأمر مِن أخطر الأمراض على المجتمعات، يُورث العداوة والبغضاء ويُفكك المجتمع، احفظ لسانك أبداً، ثم سيدنا الحسن البصري رضي الله تعالى عنه في هذا المعنى الذي ذَكرته قَبل قليل قيل له: إنَّ فُلاناً مِن الناس اغتابك، فأهدى إليه طبقاً مِن رُطب، قال له: اذهب وخُذ له هذا الطبق وأعطه إياه، فجاء الرجل فقال: سبحان الله، وسبحان الله ذِكر لله يُذكر عند التَّعجب، قال: اغتبتك فَكافأتني بِطبق مِن رطب! فقال: أَهديتَ إِليَّ حَسناتك فَأردتُ أن أُكافأك.

وقيل لأحد الصالحين: إِن فُلاناً مِن الناس اغتابك، فقال له: [لم يَجد الشيطان بَريداً غَيرك]، فَخَجِل ثم انصرف الذي يَغتاب، يَحتاج لِكلام قاسي حتى لا يَغتاب مرة أخرى، [لم يجد الشيطان بريداً غيرك]!.

هُناك مسألة: أنت الآن جالس بمجلس، وإنساناً اغتاب إنساناً أمامك، أُريد أن أسألك أنت: ما حُكمك على هذا الإنسان، كيف تَنظر لهذا الإنسان الذي ذَكر شخصاً غائباً بِسوء، ألا تحتقرهُ وتَنظر إليه أنه إنسان وَضِيع؟ إذا كُنت مَا تَنظر هذه النَّظرة أَصبح لَدينا مشكلة، لأنه يَكون هذا الإنسان مِثلك، فلذلك أنت لا تَستغرب أنه يَفعل هذا الأمر، الناس الرجال يَعلمون أن هذا الإنسان يَفعل أمراً خسيساً، وبالتالي اِعلم أن الذي اغتاب غيرك في حَضرتك سيغتابك في حضرة غيرك، يعني إذا ما تَوَرَّع أن يتكلم عن فلان أمامك هل سيوفرك؟! والله سيتكلم عليك، هل عرفت لماذا يَنظرون إلى هذا العمل على أنه عمل دنيء وعمل مُخالف للأخلاق؟!.

أسباب الغيبة كثيرة أيها الإخوة:

مِن أسباب الغيبة: الغيرة والحسد، يعني إنسان يَحسد إنساناً أن فلان معه مال أكثر مني، أنا وهو كُنا سوية وخرجنا سوية، هو أصبح مليونيراً وأنا بَقِيت إلى الآن مستأجر مشغل وأعمل فيه، فلان عنده شركة واشترى بناءً وأنا إلى الآن بيتي بالآجار، وأنشأ معملاً وأنا إلى الآن ليس لدي معملاً أعمل بالأجرة، أو فلاناً عنده بيت وأنا لا أملك بيتاً، عنده سيارة وأنا لا أملك سيارة، أمور كثيرة يحسد الناس بعضهم بعضاً، كيف يُنفسون عن هذا الغضب الداخلي والحقد الداخلي والحسد الداخلي؟ قال: بغيبتهم في المجالس، هل تعلم أن هذا ذَكره الإمام الغزالي مِن الأمراض في كتابه "إحياء علوم الدين"؟! إِذاً أنت إنسان مريض إذا تكلمت على إنسان آخر، لأنك تَحسده، فمعنى ذلك أنك مريض، ذكره العلماء في الأمراض أمراض القلوب، قلبك مريض يحتاج إلى معالجة، وربنا لا يُريد قلباً مريضاً، انتبه: )إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ( [الشعراء: 89]، الله يُريد قلباً سليماً، لا يُريد قلباً مريضاً، انتبه، قلبك مَريض يَحتاج إلى عِلاج.

مِن أسباب الغِيبة: الخلاف، تَشاجرت أنا وفلان، يَبدأ بالتكلم عنه، مَن قال لك: إِنَّ خِلافك معه يُسوغ لك أن تتكلم عليه، المشاكل ستتفاقم، بالعكس يجب أن لا تَذكر هذا الخلاف ولا تنقله، بالعكس تماماً، يجب أن تحافظ على الكلام الذي حصل بينك وبينه، لأن المشكلة قابلة للحل، لَمَّا تنقلها للآخرين تتفاقم المشاكل، وبعد ذلك يُصبح الحل صَعباً، الناس دوماً متخالفة فيما بينها، أنت لك عقل وأنا لدي عقل، أنت عندك طبع وأنا عندي طبع، عندك بيئة وأنا عندي بيئة ثانية تربيت فيها مختلفة عن بيئتك، سؤال: هل كل إنسان يختلف مع إنسان يتكلم عنه، مشكلة معناها هذا المجتمع يمشي نحو الهاوية.

إخواننا: موضوع الغيبة موضوع كبير جداً، ليس كل خلاف يُسوغ لك أن تتكلم على صاحبه، هذا من أسباب الغيبة.

وكذلك موضوع الأقران الذين يَغارون من بعضهم، لا تقبل كلاماً مِن قرين في قرينه، فَكَمَا ذكر علماء الجرح والتعديل في الحديث الشريف والأسانيد: لا يُقبل قدح الأقران بعضهم ببعض إلا مُفسراً، يَجب أن يُفسر، يقول: فُلان لا يُكتب حديثه، لماذا لا يكتب حديثه؟ فلان مَتروك، لماذا متروك؟ لماذا لا تُريد كتابة حديثه؟ لا يُقبل القدح إلا مُفسراً، يَجب أن يَذكر السبب، الأقران بينهم دائماً مُنافسة وغَيرة، قد تكون مَذمومة وقد تكون محمودة.

أصحاب المهن -إخواننا- أصحاب المصالح فيما بينهم، انتبه غيرتك تدعوك إلى أن تَغتاب إنساناً مؤمناً أو تؤذي إنساناً مؤمناً، إياك، هذا يُسمونه ضرة المصلحة، لأنه يَعمل في نفس المصلحة، وهو ناجح أكثر مني، يَجب أن تفرح، والله يا إخواني إنسان سَليم الصدر الذي يَتمنى للناس الخير أقسم بالله ربي يَرزقه أكثر، وربي يفتح له أبواب خزائنه أكثر، إن ذكرته بكلمة طيبة تقول: سيدي الله يُعطيه يا رب ويعطينا مما أعطاه، والله مَا شاء الله إنسان ناجح، عرف كيف يعمل، الله يجزيه الخير يعمل بعرق جبينه، لم يسرق وينهب، كلمة طيبة، والله ربي عز وجل يرزقك فيها.

وهناك أيضاً موضوع مُجاملة الرُّفقاء، جالسين بسهرة ويُريد أن يُجامل أصدقاءه، يتكلمون عن فلان يمشي معهم، أين الوفاء؟ أين الإخلاص في الحب؟ أين الصدق؟ سهراتنا كلها مِن هذا النوع يا إخواننا، لا نريد أن نَكذب على بعضنا، دائماً بكل سهرة يَكون هناك غيبة، هذا لا يجوز، هذا كبيرة من الكبائر، يقول الإمام الذهبي: لا تُكفره كفارة المجلس، مجتمعنا يتفكك، ومِن أسباب تفكك المجتمع الغيبة في المجالس، ومنها مُسايرة الرفقاء، كنا في سهرة والحاضرون يتكلمون فتكلمت معهم، مَن قال لك ذلك؟ شاهدتَ أنَّ السَّهرة فيها غِيبة ونميمة وقِلة أدب وافتراء على الناس اعتذر بلطف، قل لهم: سامحوني عندي التزام، كل شيء اسمه التزام، سامحوني عندي التزام يجب أن أُغادر، عِندك التزام مع زوجتك وأولادك صح، يَجب أن تذهب إلى البيت، غادر ولا تجلس معهم، وإذا استطعت أن تُغير الحديث فغيره، ما هي المشكلة؟ عندما تكون أنت الـ King "ملك" السهرة، هُناك أناس في السهرة يكون هو الـ King هو يدير السهرة، لأنه هو يكون إما غني أكثر مِنهم، أو كلامه حلو وظريف أكثر منهم، أو يمازحهم، المشكلة أن يَكون هذا King السهرة هو الذي يَعمل هذه الأمور، أنت تستطيع أنت تُغير السهرة كلها فتقلبها، والله كنا في الخطبة فسمعت الشيخ يتكلم كذا وكذا، اليوم حضرت درس، يبدأ النقاش أين؟ ضمن الدرس قال الشيخ كذا وكذا، تطرح موضوع اقتصادي تتشاورون فيه، موضوع اجتماعي تتناقشون في حله، اجعلوا سهراتنا مفيدة يا إخواننا، لا في الغيبة والنميمة وفيما لا ينفع.

ومِن أسباب الغيبة الضَّحك، أحياناً يغتاب إنساناً لِيَذكر موقفاً مُضحكاً لِيَضحك الجالسون، مَعقول تَضحك بِمُحرم! ((لا تُكثر الضحك -يقول عليه الصلاة والسلام لسيدنا أبي هريرة- لا تُكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)).

أيها الإخوة الكرام: الكلام عن هذا كثير وكثير، لا يتسع له خطبة ولا أكثر مِن هذه الخطبة، لكن مِلاك الأمر كله وجُملة الأمر أن نحفظ ألسنتنا.

الحل أن تَبقى السبحة بيدك لا تُفارقك، أنا لا أحب السبحة، أشعر بأنها رياء أمام الناس، ما أقصد السبحة الحقيقية، إذا استطعت أبقها في يدك، فإذا لم تستطع فسبحة قلبك أن تكون دائم الذكر لله سبحانه وتعالى.

اعلم أنه مَن نَمَّ لك نَمَّ عليك، ومَن اغتاب غيرك في حَضرتك فسيغتابك في غير حضرتك، واعلم أنَّ موضوع الغِيبة والنَّميمة هذا مِن أخس الأعمال، يَهدم المجتمعات، ويجعل هذا المجتمع بغير غاية ولا هدف في هذه الحياة.

هذا موضوع خطير أيها الإخوة، دائماً السبحة بيدنا، نذكر الله سبحانه وتعالى، ونصلي على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* جاء فقراء مِن المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، الأغنياء أخذوا كل شيء، كيف؟ قالوا: يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ويتصدقون بفضول أموالهم، نحن لا نملك أموالاً، سيأخذون أجراً وثواباً أكثر مِنَّا، انظروا إلى غيرة الصحابة مِن ماذا؟ غَيرةً أنهم لا يملكون أموالاً لِيَدفعوا صَدقة، يتمنون أن يكونوا أغنياء لِيدفعوا الأموال، ذَهب أهل الدثور -أي أهل الأموال- بالأجور، أخذوا الأجر كله، يُصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به))؟ ألم يجعل الله لكم مَا تتصدقون به؟ قالوا: مِن أين؟ لا نملك أموالاً، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن بِكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة))، كل تحميدة، كل تهليلة، كل تكبيرة، كل تسبيحة، كل صلاة على سيدنا الرسول يُصلي عليك الله بها عشراً.

عندنا -يا إخواننا- شغل كثير، لسنا متفرغين للغيبة والنميمة، نحن مؤمنون حقيقيون، لا تأخذ نفسك بالغيبة والنميمة أبداً، عِندك شغل كثير، ابني مجتمعك، بناء المجتمع لا يكون بالغيبة والنميمة، ولنحفظ ألسنتنا.

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 324
تحميل ملفات
فيديو مصور