السبت 30 محرم 1439 - 21 أكتوبر 2017 , آخر تحديث : 2017-10-19 12:27:45 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب مدير الأوقاف

تاريخ النشر 2017-10-12 الساعة 13:26:31
علامات حسن الخُلُق (بَسْطُ الوجه) /3/
الشيخ أحمد سامر القباني

بتاريخ: 16 من محرم 1439 هـ - 6 من تشرين الأول 2017 م

الحمد لله، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، حمداً لك ربي على نعمائك، وشكراً لك على آلائك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله ولا شيء بعده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صفيه من بين خلقه وحبيبه، خير نبي اجتباه، وهدى ورحمة للعالمين أرسله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون.

وبعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، وأحثكم وإياي على طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير.

ما زلنا وإياكم -أيها الإخوة المؤمنون- ضِمن المنهج العام لخطب الجمعة، نتحدث عن الأخلاق، وكيف أنَّ الأخلاق ركن عظيم مِن أركان هذا الدِّين، وكفى للأخلاق شرفاً أن جعلها حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم جُزءاً مِن الإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان بضع وسبعون شُعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))، وقال لأم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها: ((يا عائشة، إنَّ حُسن العهد من الإيمان))، والأحاديث في ذلك كثيرة.

وقُلنا إنَّه لا ينبغي على الإنسان المؤمن أن يقول: أنا لا أستطيع أن أتغير، فإنَّ قال هذا فكأنه يُكذِّب الله ورسوله:

أمَّا الله سبحانه وتعالى فيقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ]البقرة: 286[، والله كَلَّفنا محاسن الأخلاق.

وأمَّا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيقول: ((إنما العِلم بالتَّعلم، وإنما الحِلم بالتَّحلم))، يتعلم الإنسان الحلم درجة درجة، ((ومَن يَتَوقَّ الشَّر يُوقه، ومَن يَتَوخَّ الخير يُعطه)).

وقلنا إنَّ الأخلاق تنقسم إلى قسمين:

1- حُسن الخلق مع الله.

2- وحُسن الخلق مع الخلق.

أما حُسن الخُلق مع الله فهو أن تتلقى أخبار الله سبحانه وتعالى وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم بالتَّصديق، وأن تتلقى أحكام الله بالقبول والتَّنفيذ والتَّطبيق، وأن تتلقى قضاء الله وقدره بالرِّضا والتَّسليم، هذا حُسن الخلق مع الله.

وأما حُسن الخلق مع الخلق فَلَهُ عَلامات:

أولها: بَسط الوجه: أن يَكون هذا الإنسانُ مُبتسماً مُنبسطاً، يُرى في وجهه البِشر، انطلاقاً من قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((وتبسُّمُك في وجه أخيك صَدقة))، ومِن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يُبين أنَّ على المؤمن أن يَتَتَبَّعَ كُلَّ الخيرِ حَيث كان، قال: ((لا تحقرن مِن المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ)).

وقُلنا إنَّ رَسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائمَ البِشر دَائم الابتسام، فَقَلَّده الصَّحابة مِن بعده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّم عليه الرَّجل، فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وَجهه بِشراً أخذ بيده، يعني وبعد ذلك أخذا في الحديث وتناولا الحديث، إذاً رسول الله كان ينظر في الرَّجل إذا كان مُبتسماً في وجهه البِشر كان يُحبه، إذا وَجده عابساً وإذا وجده مُقَطِّب الحاجبين مَا كان يأخذ بيده، إِذاً كان لا يُعجبه أن يكون الإنسان عبوساً مُقَطِّب الحاجبين.

وهنا -أيها الإخوة الكرام- يَسوقنا الحديث عن أمرٍ هَامٍّ جِدَّاً، -بما أنَّنا تكلَّمنا عن بسط الوجه أنَّه العلامة الأولى مِن علامات حُسن الخلق- يقودنا الحديث إلى أمرين:

الأمر الأول: هو الـمِزاح.

والأمر الثاني: هو الضَّحك.

فهل المزاح مُحَرَّم؟ وهل الضَّحك مُحَرَّم؟ بما أنَّ رَسول الله كان يَبتَسم، وكما رَويت لحضراتكم حديث سيدنا الحسن بن علي سبط النَّبي صلى الله عليه وسلم، عندما سأل خَالَهُ هِنداً عن كَيفية ضَحِكِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: (كان جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّم)، فهل الضَّحك حرام؟ وهل المزاح حرام؟ كما يسوق كثير مِن المتشددين الذين لا يمتون إلى الإسلام بِصِلة، وسيد الخلق مُحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول: ((هَلَكَ المتنطِّعُون))، أي: المتشَدِّدُون, وقال: ((المنبَتُّ -أي: المتشَدِّد- لا أرضاً قَطَعَ ولا ظَهرَاً أَبقى))، يَنفَضُّ النَّاس مِن حوله، لا يبقى له صَديق ولا مُحِبّ، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ هذا الدِّين مَتين، فأوغلوا -أي: ادخلوا- فيه بِرِفق))، وقال الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم وعلى رَأسهم سيدتنا عائشة: (مَا خُيِّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مَا لم يكن إثماً).

أولاً: الـمِزاح: أعرض لحضراتكم الأحاديث الواردة فيه:

أخرج الترمذي وأحمد، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنَّ الصَّحابة قالوا: يا رسول الله، إنَّك تُداعبنا -يعني: تُمازحنا- فقال صلى الله عليه وسلم: ((إني لأمزح ولا أقول إلا حَقَّاً))، إذاً هذا الحديث صَرِيحٌ أنَّ رسول الله كان يمزح.

وأخرج ابن عساكر، عن أبي جعفر الخطمي رضي الله تعالى عنه، أنَّه قِيل لبعض السَّلف: صِفْ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصفه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما أنا بشر مِثلكم أُمازحكم))، إذاً رسول الله كان يُمازح.

وأخرج ابن عساكر عن أحمد بن محمد الخطابي قال: سُئل بعض السَّلف عن مَرَحِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: (كان لِرسول الله صلى الله عليه وسلم مَهَابة، فَكان يبسط النَّاس بالدُّعابة)، عندما تَكون أمام إنسان مَهيب، هذا الإنسان وقور مَهيب، كبير في السِّن، صَاحب مَنصب، صاحب مقام، فالإنسان يَكون أمامه بِشَكل جِدِّي بشكل دائم، فرسول الله كان يَعلم أنَّ له بين أصحابه مَهابة، ماذا يفعل لكي يَنبسط المجلس، حتى لا يكون المجلس جَافَّاً، قال: (فكان يَبسط النَّاس بالدُّعابة)، كان يُمازحهم صلى الله عليه وسلم ويُداعبهم.

الإمام المناوي في "فيض القدير" وهو كتاب شَرح فيه الجامع الصغير، يقول فيه الإمام المناوي: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمزح، لأنَّ النَّاس مَأمورون بالتَّأسِّي به والاقتداء بهديه، فلو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم اللَّطافة والبَشاشة، ولزم العبوس والقطوب، لأخذ النَّاس أنفسهم بذلك)، لأن الله يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ]الأحزاب: 21[، فلو كان رسول الله دائماً عَبوساً مُقطب الحاجبين يقول الناس: هذا حال رسول الله، يجب أن نَعبس وأن نُقَطِّب في كل أحوالنا، لَكِنَّه قُدوة، فكان يُباسط ويَلزم اللَّطافة والبشاشة.

ثم بعد ذلك جَاء مَن يقول: أليس هُناك حديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم يَنهى فيه عن الضَّحك، وينهى فيه عن المزاح؟ فقلنا له: ما هو هذا الحديث؟ قال: هذا الحديث الذي أخرجه البيهقي في سننه، وابن عساكر والطبراني، وهو حديث حسن، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَستُ مِن دَدٍ ولا الدَّدُّ مِنِّي)) الدَّد في اللغة العربية فسره هؤلاء بالمزاح، على حِين أنَّ الدَّد في اللغة العربية هو اللَّهو بالباطل، إذاً ليس المزاح اللَّهو بالباطل، فإذاً ((لَستُ مِن دَدٍ))، أي: لَستُ أَلـهُو بِالبَاطل، ((ولا الدَّدُّ مِنِّي))، أي: وليس الباطل جُزءاً مني، هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، ماذا نَفعل بالحديث الآخر الذي أخرجه الترمذي، وكذلك الإمام أحمد وأبو داود، كلاهما عن سيدنا عبد الله بن السَّائب عن أبيه عن جده، أو عن سيدنا عبد الله بن عباس، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُمَارِ أخاك))، يعني: لا تُجادل أخاك المؤمن، لأن المراء لا يأت بخير، الجدل لا يأت بخير، وتكلمنا عن ذلك مِراراً، ((لا تُمارِ أَخاك ولا تُمازحه))، هذا نَهيٌ صَريحٌ أنَّ المؤمنَ لا يُمازِحُ أخاهُ المؤمن، ((لا تُمارِ أخاكَ ولا تُمازِحه، ولا تَعده مَوعدة فَتُخلفه))، لا تُوعده وعداً وتخلف معه، فهذا صَريحٌ، رَسولُ الله ينهى عن المزاح، فكيف يمزح!.

قال العلامة المناوي في "فيض القدير": (المزاح المنهي عنه بحديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هو المزاح المحرم ولَيس المزاح المباح)، أيوجد مِزاح مُباح ومِزاح مُحرم؟ طبعاً، المزاح المحرَّم هو الذي فيه إفراط، قَبل كل شيء هذا مِزاح، لَكن مِزاحٌ نُسمِّيه في عاميتنا ثَقيل، كأن يُقلِّد إنساناً وهو يلثغ بحرف مِن الحروف يَلثغ مَثلاً بحرف الرَّاء، فيقلده أو يجعل السِّين ثاءً فيقلده، أو إنسان مثلاً نحن نقول بعاميتنا "يتأتئ"، فيجلس ويُقلِّد هذا الإنسان أمام النَّاس، أو يَذكر له مَعصية قام بها أمام النَّاس، ويُمازحه بهذه المعصية التي قام بها، ويَذكره بها أمام النَّاس، هذا مِزاح غَير مَقبول شرعاً، أو مِن باب المزاح يَسُبُّ أباه وأمه، وذاك أيضاً مِن باب المزاح، يَسب أباه وأمه، ما هذا المزاح الذي أنت تأذن فيه لصاحبك؟ أن يَسُبَّ أباك وأمَّك وأنت تقول: أنا أمزح، أو المزاح الذي يُشبِّهه فيه بالحيوانات، "أنت يا كذا"، وذاك يقول له: "وأنت يا كذا"، يُشَبِّهُهُ بالحيوانات، ومقام الخطبة ينبو عن ذِكر هذه الألفاظ، وأنتم تَفهمون ما أقول، ويقولون: نحن نـمزح، هذا مِزاح الأقوال الثَّقيل لا يُقبل، وهناك مِزاح الأفعال، مِزاح الأفعال غير مقبول أيضاً، تأخذ مِفتاح سيارة صَديقك وتخبأه عِندك، يُريد أن ينزل فيَبحث عن المفتاح لا يجده، يأخذ سيارة أجرة يَذهب إلى بيته ،وتضعه عندك جمعة، يأتي بالشرَّكة لِيَعملوا له مفتاح جديد، هذا الكلام غير مقبول، هذا المزاح غير مَقبول، مِزاح بالأفعال أن تَضربه أمام النَّاس، هذا مزاح غير مقبول.

سأروي لكم هذه الحوادث التي نختم مِن خلالها هذه الخطبة:

الحديث الأول: أخرج أبو داود في سننه رضي الله عنه، عن سيدنا عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهم كانوا يسيرون مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حَبلٍ مَعه فأخذه، وهو يمشي على الدابة نام وهو يُمسك الحبل بِيده، فذهب واحد مِن الصَّحابة وهو نائم، فسحب الحبل منه، يقول: ففزع الرَّجل، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلُّ لِمُسلم أن يُرَوِّع مُسلماً))، يُخَوِّفه، ((لا يَحِلُّ لِمُسلمٍ أن يُرَوِّع مُسلماً)).

الحديث الثاني: عن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه، أنَّ رجلاً أخذ نَعل رَجل، فَغَيَّبها وهو يمزح معه، فذكر ذلك لِرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا تُرَوِّعوا المسلم))، طيب هنا لم يفعل له شيئاً، لم يُخَوِّفه، فقط شَغَل باله، يَبحث عن نَعله، انظر إلى الإسلام كم هو عظيم، لا يجوز لك أن تَشغل بال أخيك المؤمن بأمر فارغ وأمر تافه، تجعله يُفكر، أخذتَ له حِذائه، مِن أين سيأتي بحذاء؟ يَنزل يَشتري أو يُرسل أحداً يأتي له بحذاء، قال: شَغَل بال هذا الإنسان المؤمن، انظر إلى إسلامنا كم هو عظيم، قال: ((لا تُرَوِّعُوا المسلم، فإنَّه ظُلمٌ عَظِيم))، إذا خوفته أو رَوَّعتَه هذا ظُلم.

الحديث الثالث: أخرجه أبو داود في سُننه، والحاكم في مُستدركه، والترمذي في سُننه، عن سيدنا يزيد بن سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَأخُذَنَّ أحدكم مَتاع أخيه لاعباً ولا جَادَّاً))، أخذ له أغراضه وخَبَّأها، ((لا يَأخُذَنَّ أحدكم متاع أخيه لا لاعباً ولا جاداً، وإذا وجد أحدكم عصا صَاحبه فليردَّها إليه))، يعلم أنَّ هذه مثلاً محفظة فلان، هذا جوال فلان، أخذه وخَبَّأه جمعة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليردَّها إليه)).

إذاً هذه نماذج حصلت في عصر الصَّحابة، هذا المزاح حصل ورسول الله نهاهم عن هذا المزاح، نحن ننظر إلى هذا المزاح أنَّه مِزاح عادي وطبيعي، رسولُ الله بداية إذا لم يَقطعْ سَبيلَ هذا المزاح الذي فيه إِفراط فإنَّه سَيَمتد، فنظر إلى هذه الحوادث على أنَّ فِيها تخويفاً وترويعاً للإنسان المؤمن، فنهى عنها، وبالتَّالي فَمَا فَوقها فهو أكثرُ في التَّحريم، فإذاً لا يجوز للإنسان المؤمن أن يَمزَحَ المزح المحرم بالأقوال أو بالأفعال.

النوع الأول مِن المزاح المنهي عنه: الذي فيه إفراط، مَزحٌ ثَقيل.

النوع الثاني مِن المزاح المنهي عنه: الذي يُداوم عليه صاحبه، لذلك نَرى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لسيدنا أبي هريرة في الحديث الصحيح: ((يا أبا هريرة، لا تُكثر الضَّحك -لأن المزاح يُؤدي إلى الضَّحك- فإنَّ كَثرة الضَّحك تُميت القلب))، لكن المنهي عنه، لاحظ ليس لا تَضحك، قال: ((لا تُكثر الضَّحك، فإنَّ كثرة الضَّحك تميت القلب)).

ويقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (مَن كَثُرَ ضَحِكُهُ قَلَّت هيبته، ومَن مَزح كثيراً استُخِفَّ به).

إذاً يظهر التَّعليل لماذا نُنهَى عن المزاح الذي يُداوم عليه صاحبه حتى يُعرف بين النَّاس كلهم أنَّه إنسان دائم المزاح، قال سيدنا عمر: (قَلَّتْ هَيبَتُه)، وقال: (واستُخِفَّ به)، وأنت إنسان مؤمن حقيقي، للدُّعابة نَصيب مِن حياتك، والابتسامة لا تُفارق مُحَيَّاك، والضَّحك عندك مَحدود، لكن أنت إنسان مُؤمن ينبغي أن تكون في حياتك جِدِّياً، صاحب هدف وصاحب قضيَّة، والإنسان الذي يَمزح دائماً دائماً دائماً هذا الإنسان حاله يقول: إنَّه ليس بصاحب قضيَّة وليس عنده هدف في هذه الحياة، فَعَلَّل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه ذلك فقال: (مَن كَثُرَ ضَحِكُه قَلَّت هيبته -بين الناس- ومَن مَزَحَ كَثِيراً استُخِفَّ به)، النَّاس لا تحترمه، هذا المزاح الذي يُداوم عليه صاحبه بِشكل دائم هذا مَنهي عنه أيضاً.

النوع الثالث مِن المزاح المنهي عنه: الذي فيه كَذِب، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنِّي لَأُمازحكم ولا أقول إلا حَقَّاً))، لَكن إذا كان هُناك مِزاحاً فيه كَذِب مِن أجلِ أن يُضحِكَ النَّاس وأن يُضحِكَ القوم فهذا حَرَام، لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يَكذبَ لا جَادَّاً ولا مَازِحَاً.

ولنا وَقفةٌ أُخرى إن شاء الله تعالى مع نَماذج مِن تَبَسُّم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وضحك النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومزاحِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ولكن -أيها الإخوة الكرام- نحن نُلاحظ أنَّ هذه الأمة اليوم -الأمة العربية والإسلامية- هي أحوج ما تكون اليوم إلى هدفٍ وقضيَّة، الإنسان الذي لَيس في حياته هَدف وليس عنده قضية يتبنَّاها في ظِلِّ ضَعفِ هذه الأمة العربية والإسلامية، ولا يَأخذ نفسه بالحزم والجِدّ، ولا يُريد أن يكون فاعلاً في المجتمع، بل يُريد لنفسه الرَّاحة والنوم، كُلُّ أمرٍ فيه صُعوبة في التَّنفيذ في الواقع لا يُريده، يُريد أن يَسهر، يُريد أن يمزح، يُريد أن يذهب دائماً مع رِفاقه، هذا الإنسان يَجب أن يُعيد النَّظر في سُلوكه اليوميّ، الأمَّةُ لَيست بحاجة اليَوم إلى أن تكون إنساناً مُهملاً، ليست الأمَّة بحاجة إلى إنسانٍ بلا هَدف، إلى إنسان يحمل نَفسه دائماً على المزاح والضَّحك بشكل دائم، طَبعاً المنهي عنه، الأمَّة اليوم بحاجة إليك، وبحاجة لي أنا طبعاً، وماذا أفعل للأمَّة؟ لو أنَّ كل إنسان قال كما قُلت فلن يَتغير حال الأمَّة، أنا إنسان أعمل في مِهنتي، وأنا طالب في مدرستي، وأنا طبيب في عيادتي، ومهندس في مكتبي، وتاجر في متجري، وصناعي في معملي، ما دَخلُ الأمَّة بِي، أنا سوف أُغير حال الأمة؟! طَبعاً، لو أخذ كل واحد مِنَّا هَدفاً في حياته، ونوى بذلك رِفعة هذه الأمَّة، وأن يَنهض بها، وكان له في رسول الله وآل بيته وصحابته أسوة حَسنة، كيف نَقلوا شبه جزيرة العرب إلى أعظم أمَّة، بَلغت حُدودها إلى الصِّين شَرقاً، وإلى حدود فرنسا غرباً، وبلاد الأناضول شمالاً، وأواسط إفريقيا جنوباً، في وقت قياسي، ولكن كان الكُلُّ يحمل نفسه على الجِدّ، وأنَّ له هدفاً في حياته، لو كان يُريد أن يأخذ هذا المثل الأعلى ويُطبِّقه على نفسه لوجد الطَّالب أنَّه مِن خلال هذه النِّيَّة سَيكون مُجِدَّاً، وبالتالي سيكون إنساناً في المستقبل يَنفع هذه الأمَّة، وهذا المجتمع لو كان كَسولاً فإنَّه لن يَنفع الأمَّة.

الصِّناعي عندما يُتقن عمله يَرفع مِن سوية الأمَّة، وعندما يَغشُّ في عمله وصِناعته فإنَّه يَنحدر بها إلى الحضيض.

التَّاجر عندما يَرأف بالنَّاس ولا يَرفع الأسعار عليهم رَفعاً كبيراً بحيث لا يَستطيع النَّاس -إلا الأغنياء طبعاً- أن يَشتروا هذه السِّلعة، هذا إنسان يَسعى إلى انحطاط المجتمع، لأنَّك بهذا الفِعل تَدعو النَّاس إلى السَّرِقَة، وإلى نَهب بعضهم بعضاً، وأنت أحد الأشياء المؤثرة في المجتمع التي دعتك إلى ذلك.

الطَّبيب، وكذلك المهندس، وكذلك كل إنسان فاعل في المجتمع، يستطيع أن ينهض بحال هذه الأمَّة، ومِن المعيب علينا أن نَضرب أمثلة -باليابان وبألمانيا عندما خَرجتا من الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك أَصبحت مِن أعظم الدُّول أمامنا- أعلى وأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام، الذين بلغوا بهذا الإسلام العظيم آفاق الدُّنيا، ولكن إذا أردت مثلاً عصرياً فخذ هذين المثالين، ولماذا نحن لا ننهض؟ لأنَّنا بلا هدف وبلا قضيَّة، ولا نأخذ أنفسنا على محمل الجِد في حياتنا وسلوكنا اليوميّ، ولا يعني هذا أن يَكون الإنسان مِنَّا روبوتاً ورجلاً آلياً لا يمزح ولا يضحك ولا يبتسم، بالعكس، هذا حال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكن يجب أن نأخذ أنفسنا بالجِدِّيَّة في حياتنا، وأن يكون لكل إنسان في حياته هدف، والإنسان الهزلي دائماً الذي لَيس عنده هدف في الحياة هو يُساهم عملياً ببقاء هذه الأمة ضعيفة مُجَزَّأة، ولستُ أُبالغ في ذلك، لأن المجتمع أنا وأنت، فلو أنَّ كُلَّ واحد قال: أخي أنا الذي أفسدت الأمة كلها؟ لو كل واحد قال ذلك كل الناس سيقولون ذلك، وبالتالي الرَّسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يكن أحدكم إِمَّعَة، إنْ أحسن النَّاس أحسن، وإن أساء الناس أساء))، سيدنا الرسول يقول لك: أنت لا تقول كما يقول العامة: [أنت حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس]، هذا الكلام غير صحيح، ((لا يكن أحدكم إِمَّعَة، إن أحسن النَّاس أحسن، وإن أساء الناس أساء))، لكن يَجب أن يكون الإنسان إنساناً فاعلاً، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا أحسن.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم مِن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، اذكروا الله يذكركم، استغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 212
تحميل ملفات
فيديو مصور