الخميس 07 صفر 1440 - 18 أكتوبر 2018 , آخر تحديث : 2018-10-17 13:33:30 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2018-07-15 الساعة 11:01:32
بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً!
فضيلة الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 29 من شوال 1439 هـ - 13 من تموز 2018 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى في محكم التنزيل: )يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ([الصف: 8].

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء)).

معاشر السادة: يجتهد الغَرب في صَرف المسلمين عن دينهم بكل ما يُتاح لهم مِن وسائل، ويجتهد في جعل حركات التحرر الناشطة في بلادهم مَبتوتة العلاقة بالدين، حتى تولد ميتة أو تحيا عقيمة لا ثمر لها ولا زهر، وما مِن نَهضة في الأولين والآخرين إلا ولها دعامة معنوية تقوم عليها وسناد روحي تتحرك به، ولما كان عمل الدين في هذه الحالة ملأ القلوب بالضمائر الحية وبناء الأخلاق على الفضيلة وصبغ الحياة بتقاليد جامعة ومعالم واضحة ورَصّ الصفوف على إحساس مشترك ودفعها إلى مصير واحد، فإن الغرب استهدف إقصاء الدين عن آفاق البلاد كلها، وتكوين أجيال غريبة عنه إن لم تكن كارهة له، بل إن ذكر الإسلام أصبح مَحظوراً في المناسبات الجَادة والشؤون الهامة، وقد يَحوم البعض حَوله ولكنه يخاف من التصريح به، كأن الإسلام مجرم ارتكب ذنباً ثم فَرَّ مِن القضاء الذي حَكم بعقوبته، فهو لا يستطيع الظهور في المجتمعات، وربما تلوح له فرصة الظهور مُتنكراً، فيتحرك قليلاً هنا وهناك، حتى إذا أَحَسَّ انكشاف أمره توارى عن الأنظار.

يا للعجب، لماذا يَلقى الإسلام هذا الهوان كله؟ والجواب: لأن الغرب حَريص على خنق الإسلام في ميدان التربية والمعاملات والتشريع وسائر ألوان الحياة، حيث أنَّ الغَرب يَطمئن إلى مُجتمع واحد، المجتمع الذي مات ضَميره والذي تَفسخت أخلاقه في هذا المجتمع الذي غَاضَت منه مَعاني الفضل، واستغلظت فيه غَرائز الشَّره، وزَحفت فيه ثعابين الأثرة، يَستطيع الغَرب أن يَطمئن إلى يومه وغده، فإذا جاء الإسلام ليمسح هذه الأقذار طُلب منه على عَجل أن يعود إلى وكره لِيخفى عن الأعين، إنَّه اسم لا يَنبغي أن يُذكر وحقيقة لا يجوز أن تعيش، هكذا حَكم الغرب عليه، مِن هنا نُدرك أنَّ الغَرب حَريص على أن لا تقوم للإسلام قائمة في بلاده.

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا يحقد الغرب على الإسلام، مع أن علماءهم ومُفكريهم وفلاسفتهم شهدوا شهادة حق أنَّ الإسلام هو دين الحياة ودِين جاء بالحضارات؟!

ألم يقل الباحث الأمريكي "هوكينغ" أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد في كتابه روح السياسة العالمية:
]إني أشعر أنني على حَقِّ حِين أقرر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ
اللازمة للنهوض
[؟!.

ألم يقل "جورج برنارتشو": ]لا يمض مئة عام على أوروبا ولا سيما إنكلترا حتى تَكون قد يقنت بملاءمة الإسلام للحضارة الصحيحة[؟!.

ألم يقل "فاليو ددرسن": ]الإسلام دين إنساني طبيعي اقتصادي أدبي، ولا أكاد أذكر شيئاً مِن قوانيننا الطبيعية إلا وجدته مشروعاً فيه[؟!.

إنَّ الغرب -يا سادة- إن الغرب اليوم يَعمل جاهداً على أن لا تَرتفع للإسلام راية، وأن لا يكون لأهله نفوذ ولا لشرائعه هيمنة، وخطط الغرب في الكيد للإسلام وصَرف الناس عنه وقطع الأواصر بين ضمائرهم وبواعثه، وبين أعمالهم واسمه كثيرة محكمة، ومِن المعلوم أنَّ الإسلام وحده هو الذي يُخلد العروبة لغة وأدباً وخلقاً، وأن التَّنكر لهذا الدين معناه القضاء الحقيقي على العروبة في لغتها وأدبها وخلقها، مِن أجل ذلك هَجَمَ الغرب على اللغة العربية بلغاته التي يَتكلم بها ويعتز بها، فجعل اللغة الدخيلة أعلى منزلة من اللغة الأصيلة، وبذلك تَعرضت اللغة العربية للاضمحلال والهوان، وسقط بذلك جُزء مِن الكيان الروحي للأمة، ثم جاء إلى التاريخ فأهال التراب على الحضارة الإسلامية، وشرع يَشحن أذهان الأجيال بأحداث التاريخ الأوروبي، والتاريخ المحلي للقطر الذي انفصل عن شجرة العروبة والإسلام، والمحور الذي تدور عليه سياسة الغرب هو فصل الأمة عن قواها الروحية، وإبعادها عن منابع الإيمان وتوجيهات اليقين، والاجتهاد في خَلق أُناس قلوبهم هواء، لا يَجمعهم رباط ولا توحدهم غاية، وأدنى الوسائل إلى ذلك تفتيت الأمة وتكثير أهوائها، واستجلاب الغرباء من كل ناحية لِيُطالبوا بعقيدة غير العقيدة، ومجتمع غير المجتمع، وتاريخ غير التاريخ، ومصلحة غير المصلحة، وهكذا يكره المسلمون على ترك دينهم، أو يزهدون بتعاليمه وشرائعه، ومن المستحيل أن يَنهض المسلمون بعيداً عن قواعد دينهم، أو أن ينهض بناؤهم الخلقي والثقافي والاجتماعي مع التَّجهم لكتاب الله وسنة رسوله.

إنَّ النَّبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم أكد على صَلاح القلب وحمايته مِن الأمراض الخطيرة، وذلك لأن صلاح القلب هو صلاح للإنسان، وصلاح الإنسان هو صلاح للمجتمع، وصلاح المجتمع هو صلاح للأمة، فإن صلاح الأمة مُرتبط بصلاح القلب، ويُؤكد هذه الحقيقة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).

إنَّ الغرب -يا سادة- يُدرك أتم الإدراك أين يقع زمام الإنسان، ومَن يُوليه وجهته، مِن أجل ذلك ركز هدمه الروحي على القلب المؤمن العارف بربه الراكن إلى غَيبه، كي ما يُوجد قوماً إذا رأيتهم تَعجبك أجسامهم، وإذا بلوتهم في عهد أو أمانة أو عمل أدركت أنك تتعامل مع قطيع مِن الذئاب لا مع نفر مِن البشر.

يَجب علينا أن نَعلم أنَّ الإسلام قبل كل شيء قلب كبير، قلب موصول بربه، يُبادر لمرضاته ويتقيه حيث كان، وهذا القلب لا يتكون بداهة، وهذا القلب لا يتكون من تلقاء نفسه، ويستحيل أن يتكون بداهة وسط تيارات الشكوك والتجهيل التي تَسلط عليه عمداً لِيَضطرب ويزيغ، إنَّه يَتكون بأغذية روحية مُنظمة تُقدم له في برامج التعليم وفي عِظات المساجد وفي صِبغ البيئة بمعان مُعينة تُساعد على احترام الفضيلة وإشاعتها.

إنَّ الغَرب أفهم بَعض المغفلين أنَّ مِن المستطاع فَصل الدِّين عن كل شيء في الحياة العامة والخاصة، لينطلق كل شيء مُتحرراً من الدين، أي من الإسلام وحده، وليبقى الدين بعد أن انفصل عن كل شيء خبراً كان وذكريات مضت وخرافات انقضت، ونحن نَرى ضَرورة رَدِّ الاعتبار إلى هذا الدين الذي أهانه أعداءه وجَرَّدوه مِن كل فضل ونسبوا إليه كل عيب، وأطلقوا المسعورين ينبحون قوافله كلما بدت لها حركة.

ألا ترى -أيها المسلم، أيها العربي- أنَّ أمريكا وفرنسا وبريطانيا صَنعت داعش والنصرة وأخواتهما لِتشويه صورة الإسلام وتنفير الإنسانية منه، فإذا دخلتَ إلى مواقع النت وتويتر والفيسبوك وغيرهما وجدتَ الكثيرين يَسخرون مِن الحور العين ومِن اللِّحى، ومِن بعض الأحاديث النبوية بِحُجة أنهم يَسخرون من الدواعش، وانطلاقاً من ذلك فإننا نَهيب بعلماء الأمة جمعاء أن يَستميتوا في الدفاع عن عقيدتنا ورموز شريعتنا، وأن يُذهبوا الوحشة عن هذا الدين التي صَنعها أعداؤه حَوله حتى يُصبح مألوفاً في الآذان مُحبباً إلى القلوب.

معاشر السادة: إنَّ الدَّواعش وإخوتهما في سورية والعراق ومصر قد نَفَّروا الناس مِن الإسلام، هؤلاء الدَّواعش: جبهة النصرة، وجيش الإسلام سابقاً وقد أصبح في خبر كان، وفيلق الرحمن، وجيش الأمة، ومغاوير الغوطة، وغيرهما من هذه المسميات الخرافية، قد عَمِلوا على تشويه صورة الإسلام عندما كتبوا على العصبة التي لَفوها على جبهتهم القذرة {لا إله إلا الله محمد رسول الله}، ثم شرعوا بعد ذلك بالقتل، قتلوا الأبرياء، وشرعوا بعد ذلك بالسرقة، سرقوا بيوت الناس، ثم شرعوا بعد ذلك بنهب اقتصاد هذا الوطن، ثم شرعوا بعد ذلك بخدمة اليهود الصهاينة، وما يجري اليوم في جنوب دمشق في درعا الحبيبة مِن دعمٍ لليهود مِن دعم للمجرمين الصهاينة من اليهود الصهاينة هو أكبر دليل على أن تلك الفصائل هم يهود، هم صهاينة، هم خدم صغار لليهود وللماسونية العالمية، هذه الأمور التي رآها النَّاس في سورية في العراق في مصر الحبيبة في كل مكان أوى إليه الدواعش الذين يحملون شعار الإسلام أجل راية مع الأسف، وقتلوا تحت راية الإسلام، وأجرموا تحت راية الإسلام، وجاهدوا بالنكاح تحت راية الإسلام، وسرقوا بيوت الناس تحت راية الإسلام، ويتموا الأطفال تحت راية الإسلام، ورملوا النساء تحت راية الإسلام، وفعلوا ما فعلوا، كل ذلك أدى إلى تنفير الناس من الإسلام.

إذا جلستَ مع أحد تَكلمت في حديث نبوي أو آية فإنك تشعر أن آذانه صَمَّاء لا يُريد أن يَسمع، لا يريد أن يسمع إلى الدين أو يسمع بالدين، لا يريد أن يتكلم بالإسلام ولا عن الإسلام، نُفور داخلي، وهذا النفور خطير، هذا النفور خطير، هذه المسؤولية مسؤولية تصحيح الفكرة عن الإسلام تقع على عاتق العلماء والمربين، وإننا نقول بكل صراحة وجرأة مع الأسف: رأينا أغلب علماء الأمة في هذه السنوات السبع العجاف وجدناهم يسكتون الكثيرون منهم، لم يُدينوا داعش بكلمة، الكثيرون منهم ما وقفوا في وجه أولئك الفسقة والمجرمين ليقولوا لهم: إن عملكم باطل، وأنتم على باطل، لم يُدافعوا عن عقيدتهم، هذا الأمر أربك العامة من الناس، أربك السواد الأعظم من الشباب، هذا السكوت أضاع الكثيرين عن طريق الحق والصواب، ولو أن العلماء وقفوا وقفة حَقِّ بِكل جرأة وإيمان وصدق مع الله ومع أوطانهم لَتَجنبنا الكثير من الدماء والكثير من الخراب، ولتجنبنا عواقب وخيمة كنا بغنى عنها.

إننا يا سادة اليوم في ظل هذه الانتصارات العظيمة التي تتحقق على يد رجال الله رجال الجيش العربي السوري في درعا الحبيبة وفي غيرها مِن أماكن هذا الوطن الحبيب، يتبين لنا الطريق أن الدواعش والنصرة وغيرهما إلى انحسار كبير، وجاء الآن دور بناء الفكر، دور بناء العقل الإنساني، دور بناء الجيل، الأطفال جيل المستقبل، اليوم المسؤولية باتت كبيرة وواضحة، واجب على العلماء، واجب على المربين، واجب على الموجهين، واجب على الغيورين؛ أن ينقذوا الأجيال القادمة مِن هذا الفكر الخطير الذي جعلنا نَقتل بعضنا البعض ونسرق بعضنا البعض ونهتك عرض بعضنا البعض، المسؤولية اليوم كبيرة وخطيرة وجليلة، لا نريد فقط اجتماعات، لا نريد فقط تصفيق وشرب كأس مِن الماء، ثم انصراف إلى العمل وإلى البيوت، نُريد عملاً حقيقياً على الأرض، الوقت اليوم والمسؤولية اليوم تتطلب مِنَّا غَيرة على الجيل، غيرة على الوطن، غيرة على الأمن والاستقرار، غَيرة على حياتنا وحياة أبنائنا وأطفالنا، لا مكان اليوم ولا مجال للتقاعس ولا للتقاعد، واجب علينا اليوم بعد أن أصبحنا نَرى بفضل الله عز وجل أن الإرهاب إلى انحسار وإلى زوال وإلى مزبلة التاريخ، واجب علينا اليوم أن نَبدأ ببناء الإنسان ببناء العقل، هذا العقل هو مسؤولية المعلم في المسجد في المدرسة في الجامعة، ولله در شوقي عندما قال:

قم للمعلم ووفه التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا

أعلمت أشرف أو أجل من الذي *** يبني ويُنشئ أنفساً وعقولاً

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله, اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير، اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم إنا نسألك أن تنصرَ رِجالك رجال الجيش العربي السوري, وأن تكون لهم مُعيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, وأن تُثبت الأرض تحت أقدامهم، وأن تُسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين، اللهم وَفِّق القائد المؤمن والجندي الأول بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بشارة نصر وخير للأمة العربية والإسلامية، )سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 85
تحميل ملفات
فيديو مصور