الأربعاء 05 ربيع الأول 1440 - 14 نوفمبر 2018 , آخر تحديث : 2018-11-11 14:20:17 الرئيسية   |   خريطة الموقع   |   المساعدة   |   اتصل بنا  
http://www.awqaf-damas.com/?page=category&category_id=368&lang=ar

خطب الجامع الأموي

تاريخ النشر 2018-07-12 الساعة 09:42:08
الحق .. لمن كان له قلب
فضيلة الشيخ مأمون رحمة

بتاريخ: 22 من شوال 1439 هـ - 6 من تموز 2018 م

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على نور الهدى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الصحابة ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.

عباد الله، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل، واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين.

يقول المولى في محكم التنزيل: )إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (
[ق: 37].

معاشر السادة: الاهتداء إلى الحق نِعمة جزيلة، وانشراح الصدر به خير غزير، وأول ما يَجب على حملة الحق وأصحابه وقد عرفوه أن يَفتحوا عيون الآخرين على ضوئه، وأن يُعرفوا الجاهلين به، وأن يجعلوه في الحياة واضحاً كشعاع الشمس، ذاك ما يَفرضه الحق على أصحابه، أن لا يجعلوه عليهم حِكراً، وأن لا يَحرموا مِن نَفعه أحداً، وأن لا يدعوا نَفساً تعيش بعيدة عن هداه، وليس ذلك بداهة عن طريق القسر، بل عن طريق لفت الأنظار وإيضاح الخفي وشرح المبهم، فإن فتك الجهل بالناس ذريعة وغلبة الأوهام على أفكارهم تَذهب بهم بدداً في كل فج، وتُخيل إليهم أنهم على صواب، والواقع أنهم موغلون في الضلال، والسر هو الجهل، الجهل بأقسامه كلها مِن بسيط إلى مركب إلى جَهالة الطيش والهوى.

والإنسانية بحاجة ملحة إلى أن ينشط أهل الإيمان الصحيح لِشرح أصوله وإبداء صفحته، ودحض الشبه المثارة حوله، واستخراج الجهال من الكهوف المطروحين بها لتمتلئ صدورهم بأنفاس الحقيقة الرحبة، وإذا أمعنت النظر في أفكار وسير العصاة والأراذل لَوجدت أن الجهل الفاضح يَنسج حولهم غلالة قاتمة، ويذرهم أشبه بِقطعان الدواب في قصور الإدراك وعوج العمل وشدة الغفلة، وانظر إلى ما قاله الله لنبيه إذ بعثه في العرب الأولين: )لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ([يس: 6-10]، هذه صورة مجتمع محبوس وراء جدران معتمة، لا يتسرب منها بَصيص نور، ومن ثم نَرى أصحابه صرعى الذهول والجمود، وعلاج هذا المجتمع أن تُزاح تلك السدود وتَذوب هاتيك القيود، ويسلط على عقول هذا المجتمع وقلوبهم فَيض من الوحي ينقلهم من حال إلى حال.

إنَّ حَاجة البشر إلى العلم الكثير كَحاجة الأرض المجدبة إلى الغيث الهاطل، ولا بُد أن يُسخر الدعاة جميع وسائل التعليم والإيقاظ كي يُنصفوا الحق ويُوصلوه إلى الخلق.

وأمر آخر أنَّ الدَّاعية نفسه قد يَنسى وتشغله فِتن العيش وصَوارف اللهو عن القيام بما ينبغي منه، وهنا يَجيء دور التذكير في إبعاد سُنة الغفلة عنه، وكم مِن مُبتعد عن الجادة تَكفيه في العودة إليها همسة ناصح أو صَيحة زاجر، فإذا هو راجع إلى رشده مُستقيم على الصراط، من أجل ذلك أمرنا الله عز وجل بالتذكير عندما قال سبحانه: )وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ( [الذاريات: 55]، وعمل الواعظين في أغلب الأحيان هو ذلك التذكير النافع، وهو تذكير لا يَستغني عنه الناس يوماً، إذ طالما يَعصف النسيان بأفكارهم، ويبعثهم على السير في الحياة دون وعي أو هدف، أليست تلك طبيعة البشر؟! وإلى هذا النسيان والغفلة أشار القرآن بقوله سبحانه: )اقتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم وَهُم في غَفلَةٍ مُعرِضونَ * ما يَأتيهِم مِن ذِكرٍ مِن رَبِّهِم مُحدَثٍ إِلَّا استَمَعوهُ وَهُم يَلعَبونَ * لاهِيَةً قُلوبُهُم...( [الأنبياء: 1-3]، وإسناد اللهو إلى القلوب يُومئ إلى تغلغل الصَّوارف عن الجِد، واستحواذها على صَميم الإنسان، والنَّسيان بهذه الصفة مُساو للجهل، فإن نتائج فقدان الذاكرة هي نفسها نَتائج عدم العلم، ولذلك قال الله جل شأنه:
)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( [الحشر: 19].

وقد تَسأل نفسك: كيف يَنسى المرء نفسه؟ لأنه نَسي ربه، أو تقول: إنما نَسي ربه لأنه ذكر نفسه.

والجواب: أنَّ المنافقين المندفعين وراء شهواتهم المستغرقين في إشباع مَطامعهم ورغائبهم لا يَذكرون شيئاً من مصالحهم الحقيقية، ولا يستفتحون طريقاً يَصون لهم معاشاً أو معاداً، إنهم يَرتعون في الشهوات رتع الدواب في الربيع، حتى تهلك بشماً واعتلالاً، والشخص الذي تَصرعه أهواؤه لا يَدري شيئاً عن حَاضره ولا مُستقبله، ولذلك يُعتبر نَاسياً لنفسه، وإنما جَاء نسيانه لنفسه من نسيانه لربه، ولو ذكر حقوق الله وانتصب لأدائها لآتاه الله رشده وبصره بما ينفعه ويرفعه، ومسكه بما يضمن العافية له في دينه ودنياه.

التذكير المستمر ضرورة إذاً للناس جميعاً، ما بقوا بشراً مَطبوعين على النسيان، وما اختلف عليهم الليل والنهار، ذلك أن اختلاف الليل والنهار يُنسي الإنسان الكثير من الأمور والواجبات، وتزداد الحاجة إلى التذكير في بيئة عن بيئة، فالبيئة السَّاذجة الخشنة لَيست خَطراً على العِفة، كالبيئة المشحونة بالمغريات المستثيرة للكوامن، ومِن ثم فَنَحن نرى العَصر الحاضر يُوجب على حملة الإيمان وحُراسه أضعافاً مُضاعفة من اليقظة والحماسة لحماية الدين، وأخذ الناس به وردهم إليه كلما طاش لُبٌّ أو أفلت قِياد.

الدعوة إلى الحق واجبة في كل حين، وهي في هذه الأيام أوجب، والدفاع عن الحياة مطلوب، وهو عند تحرش الذئاب وإحاطة الأخطار أحفز للحس وأدعى للاستعداد والانقضاض، والسبيل إلى الله مُهددة الآن بجحافل من المجرمين والفساق، تجر العامة جراً إلى الجريمة، وتصرفهم صرفاً عن العبادة، وتُزين لهم بألف وسيلة أن يَهجروا الإيمان والعمل الصالح، وتلك حال تَنفي النوم وتَقض المضاجع، وهي حال تُذكرنا بالخصائص الأصيلة في هذا الدين العظيم، إنَّه دِين حَريص على تجلية الحق ومقاومة الباطل، إنه دين يَجأر بالدعوة ويَصرخ بتوحيد الله، ويُهيب بالناس أن يُقبلوا على الصلاة والفلاح بُكرة وأصيلاً، إنه دين ما إن يَرى المنكر حتى يَشتبك معه وينفر منه ويطوي الأفئدة على كرهه، ومِن هنا -يا سادة- وُصفت أمة الإسلام بالخاصة الأولى في دينها: وهي الغيرة على الحق، وصبغ وطبع الحياة الخاصة والعامة به، حيث قال سبحانه: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ( [آل عمران: 110].

ولما كان التذكير في حياة الأفراد والمجتمعات ضرورياً، فإننا نجد الفلاسفة والحكماء يُشيدون بهذه الخصلة النبيلة، لأنها تَهدي الشاردين إلى طريق الحق، وتُوقظ الغافلين فتردهم إلى طريق الرشاد والصواب.

قالت الكاتبة الجزائرية "أحلام مستغانمي": ]الذاكرة أحسن خَادم للعقل، والنسيان أحسن خادم للقلب[.

وقال "سقراط": ]راحة الحكماء في وجود الحق، وراحة السفهاء في وجود الباطل[.

وقال "نيلسون مانديلا": ]عندما يَسكت الحكماء يتكاثر الحمقى[.

ألا ترى -أيها السوري، أيها العربي- أن الأمة العربية والإسلامية اليوم بحاجة إلى رجال مُخلصين يَعملون على تثقيف شبابها وزرع بذار الوعي والفهم والإدراك في عقولهم، فإن الغزو الثقافي قد سيطر على عقول الكثيرين منهم، فكان هذا الغزو سبباً في فقدان الوعي والأخلاق.

تعالوا تعالوا -أيها العلماء، أيها المربون، أيها المصلحون، أيها الغيارى- لِنُذكر شبابنا وفتياتنا بالعفة والأخلاق، تعالوا لِنَهمس في آذان الشباب والفتيات قول الشاعر "أحمد شوقي":

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

تعالوا لنهمس في آذان حُكام العرب أن القدس أمانة في أعناقكم.

تعالوا لِنُذكر حُكام العرب بأن اليمن شعب عربي مسلم، شعب عربي لا ينبغي أن يهان، لا ينبغي أن يعتدى عليه، لا ينبغي أن يُقتل أطفاله وأبناؤه وتنتهك حُرمة نسائه.

تعالوا -أيها السوريون- لِنَهمس في آذان العالم أجمع أن جيشنا العقائدي قادر على صناعة الحرب والسلام.

انتصارات في درعا الحبيبة، ومصالحات انتصارات ومصالحات في الجنوب السوري تُذهل العالم بأسره، لأن تلك المعركة الدائرة اليوم يَقودها الأمريكي والصهيوني بأموال عربية وحُكام خليجيين، كل هذا الدعم كل هذا التخطيط كل هذا المكر والخديعة والحقد، يَنتصر الجيش العربي السوري في الجنوب السوري كما انتصر في الغوطة الشرقية، وكما انتصر في حمص وحماة وغيرهما من أراضي هذا الوطن الحبيب.

تذكر -أيها السوري- أنَّك في وطن وفي بلد يَرفض الذل يرفض الإهانة، يُحب الرجولة، يُشيد بالحق ويدافع ويقاوم من أجل الحق، يصون الدم، يَصون الأبرياء، يصون الأطفال، يحفظ النساء.

تذكر -أيها السوري- أنَّك في بلد منه نَشأت المسيحية المطهرة، وإليه جاء الإسلام فأعم في هذه البلاد أو نشر في هذه البلاد الخير والنور الذي رسمه لنا طه الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

أيها العرب، أيها المسلمون: تذكروا أن أمتكم أمة واحدة، تَذكروا قول الله عز وجل عندما قال: )إِنَّ هَـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ( [الأنبياء: 92]، وفي آية ثانية: )وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ( [المؤمنون: 52].

تذكروا أن للعرب تاريخ، أن للعرب حضارة، أن للعرب قدسية ومكانة لا ينبغي أن تُضيعوها، فدمشق هي التي تعمل على حِفظ هذه القدسية وعلى حِفظ هذه المكانة في العالم.

تذكر -أيها السوري- أنَّ عِندك قائد عظيم جليل يَقوم على خِدمتك ورعايتك وحمايتك وأمنك، أن عندك جيش عقائدي يَصون دمك ويرد لك الأمان والاستقرار.

تذكر -أيها السوري- أنَّ شعبك شعب عظيم مقاوم، صبر وتحمل حتى عجز الصبر مِن تحمله ومن بلائه.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.


 

الخطـــــــــــــــبة الثانيــــــــــــــــــــــــــة:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله, اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وأن الله غير غافل عنكم ولا ساه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم ولا تعذبنا فإنك علينا قدير، اللهم ارحمنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم إنا نسألك أن تنصرَ رِجالك رجال الجيش العربي السوري, وأن تكون لهم مُعيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, وأن تكون لهم مُعيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, وأن تكون لهم مُعيناً وناصراً في السهول والجبال والوديان, وأن تُثبت الأرض تحت أقدامهم، وأن تُسدد أهدافهم ورميهم يا رب العالمين، اللهم وَفِّق القائد المؤمن والجندي الأول بشار الأسد إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وخُذ بيده إلى ما تحبه وترضاه، واجعله بشارة خير ونصر للأمة العربية والإسلامية.

)سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(.

أضف تعليقك عدد التعليقات : 0 عدد القراءات : 110
تحميل ملفات

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

أدخل الرمز : *